اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة جراسا الاخبارية
نشر بتاريخ: ١٧ أيلول ٢٠٢٦
اكثم الخريشة- في فجر أحد أيام أيلول، وقف الأردنيون على شرفات منازلهم في المفرق وإربد والزرقاء، يشاهدون ما لا يريدون رؤيته: صواريخ باليستية إيرانية تعبر سماءهم، ومنظومات الدفاع الجوي الملكي تلتقطها واحدة تلو الأخرى.
مشهد لا يشبه أي شيء عاشه البلد من قبل. السماء التي كانت دائماً مرآة لهدوء داخلي هش، تحولت في لحظات إلى ساحة عرض عسكري مفتوح.
السؤال الذي يطرحه كل مراقب الآن، من عمان إلى واشنطن إلى الرياض: إلى أين يتجه الأردن في هذه العاصفة؟ وهل سيخلع عباءة «النأي بالنفس» التي لازمت سياسته الخارجية لعقود، ويدخل رسمياً في تحالف عربي دفاعي جديد؟
المشهد معقد، والخطاب الرسمي يحاول أن يبقى في المنطقة الرمادية. القيادة الأردنية تكرر أن المملكة «لن تكون مسرحاً لحرب إقليمية»، والدبلوماسية العمانية تشدد على أن الأردن يحمي سيادته لا أكثر، وأن ما يحدث دفاع عن النفس بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. لكن هذا الخطاب، المهذب والدقيق، يخفي وراءه واقعاً مختلفاً: الأردن تحت الضغط، وصواريخ إيران لا تفرق بين من يدافع عن نفسه ومن يريد أن يبقى بعيداً عن المعركة.
الأردن ليس غريباً على فكرة التحالفات. في عام 1955 دخل حلف بغداد، لكن التجربة انتهت بمرارة. في عام 1989 حاول بناء «مجلس التعاون العربي» فانفرط عقده سريعاً. والدرس الذي تعلمه الأردن منذ ذلك الحين واضح: التحالفات الجماعية تحمل التزامات ثقيلة، والثمن قد يكون باهظاً. عمان التي دفعت ثمن مواقفها في حروب سابقة، تعرف أن أي التزام جماعي يعني بالضرورة خصماً جديداً في معادلة الأمن القومي.
اليوم، يطل «تحالف مكة» برأسه. السعودية وتركيا وباكستان شكلت نواة تحالف دفاعي جديد، والأردن لم يكن في الصورة حين تأسس.
لكن الحكومة الأردنية تلتزم الصمت. لا قبول ولا رفض. الدبلوماسية الهادئة، كما يصفها خبراء، تفضل ألا تفتح الملف أصلاً في ظل «رمال متحركة».
السبب ليس غامضاً لمن يقرأ المشهد الأردني من الداخل. ثمة إدراك عميق في عمان بأن التهديد الأكبر ليس إيران، بل ما يخطط له اليمين الإسرائيلي في الضفة الغربية. مسؤولون أردنيون يقرأون الفروقات بين إيران كتهديد أمني عابر وإسرائيل كخطر وجودي على معادلة الدولة الأردنية نفسها. الـ«وطن البديل» ليس مجرد شعار تخويفي؛ إنه سيناريو يخشى الأردن أن يتحقق إذا ضمت إسرائيل المستوطنات وأغرقت الضفة الغربية في موجة نزوح جديدة.
ناشطون وسياسيون أردنيون يقولون إن إضعاف إيران في الوجدان الأردني تستفيد منه إسرائيل، وإن خلق عداء استراتيجي مع طهران يمنح اليمين الإسرائيلي خدمة مجانية: إبقاء الأردن مشغولاً في الشرق بدل الانتباه إلى الغرب.
في الشارع الأردني، الصورة ليست أقل تعقيداً. صواريخ إيران مرفوضة، والجميع يساند الجيش في الدفاع عن السيادة. لكن هذا لا يعني أن الأردنيين مستعدون لقبول فكرة أن إيران هي العدو الأول. «البوصلة الرسمية واضحة: العدو الأول والوحيد هو الكيان الإسرائيلي»، كما يقول ناشطون.
هذا التناقض بين ما يراه الشارع وما تريده الجغرافيا ليس جديداً. لكنه يزداد حساسية مع كل صاروخ إيراني يُسقط فوق الزرقاء أو المفرق. كل موجة جديدة من الصواريخ تحمل معها سؤالاً: هل سيدفع الأردن ثمن «رباطة جأشه» إلى ما لا نهاية؟ وهل تأتي لحظة يقرر فيها أن سياسة ضبط النفس وحدها لم تعد كافية؟
الأردن ليس بعيداً عن أي تحالف عربي دفاعي محتمل. العلاقات العسكرية مع السعودية وباكستان متينة، والتعاون الاستخباراتي مع مصر قوي. لكن الانضمام إلى تحالف ثلاثي يضم تركيا يثير حساسيات قديمة، وفي الوقت نفسه يضع عمان أمام استحقاقات جيوسياسية لا تريدها الآن.
ثمة دعوات لتفعيل معاهدة الدفاع العربي المشترك لعام 1950، وتأكيد أن «أمن دول الخليج جزء لا يتجزأ من أمن الأردن». لكن هذه دعوة قديمة تتعثر دائماً على صخرة الإرادة السياسية العربية. مجلس التعاون الخليجي، الذي يضم أقوى اقتصاديات المنطقة، لم ينجح في تفعيل دفاع خليجي مشترك خلال الحرب الإيرانية الأخيرة.
في غرف القرار الأردنية، ثلاثة سيناريوهات مطروحة:
الأول: الاستمرار في سياسة «الحياد العملياتي». الدفاع عن السيادة بأي ثمن، رفض الانضمام إلى أي محور، وإبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع كل الأطراف. هذا هو الوضع الراهن، لكنه يزداد كلفة مع كل صاروخ.
الثاني: الانضمام إلى تحالف دفاعي إقليمي بقيادة سعودية.
ربما بصيغة تجمع دولاً عربية وإسلامية دون إعلان «معسكر» واضح ضد إيران. هذا الخيار يمنح الأردن عمقاً استراتيجياً لكنه يقلص مرونة دبلوماسيته.
الثالث: التحرك نحو «الحياد النشط» بمعناه الأوروبي. عدم الانضمام رسمياً، لكن بناء تحالفات مرنة وثنائية مع دول الخليج ومصر، وتقوية القدرات الدفاعية الذاتية عبر تعاون تقني واستخباراتي دون التزامات جماعية.
الحقيقة التي يعرفها كل من يتابع المشهد من قريب أن الأردن، بموقعه الجغرافي بين إيران وإسرائيل والخليج وسوريا والعراق، لن يستطيع أن يبقى «بعيداً» إلى الأبد. الجغرافيا لا ترحم. الصواريخ الإيرانية تجعل هذا واضحاً كل بضعة أسابيع.
لكن الانضمام إلى تحالف عربي ضد إيران ليس قراراً بسيطاً. الأردن يعرف أن إيران ليست خصماً عابراً؛ إنها جار استراتيجي له نفوذ في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وأي مواجهة مفتوحة معها قد تفتح أبواباً لا يستطيع الأردن إغلاقها.
في النهاية، سؤال التحالف العربي ليس سؤالاً عسكرياً فقط. إنه سؤال عن الهوية والموقع والمخاطر. الأردن يريد حماية سيادته، لكنه لا يريد أن يصبح رأس حربة في حرب ليست له، ولا أن يدفع ثمن «وطن بديل» على حساب أمنه واستقراره.
بين المطرقة والسندان، يبقى الأردن يجرب أن يجد مساحة لا توجد أصلاً في جغرافيا الشرق الأوسط. ومع كل صاروخ يسقط، تقترب اللحظة التي سيكون عليه فيها أن يقرر: هل يبقى في الظل، أم يخرج إلى النار؟












































