اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٤ نيسان ٢٠٢٦
نجوى العمري
لم يعد القلق مجرد شعور يباغت الإنسان في لحظات الانتظار أو الضغط أو الخوف، بل اتسع معناه وتحول إلى حالة إدراكية عميقة نشأت من اعتقادنا بأن العالم غير مكتمل، وغير ثابت، ومفعم بالاهتزازات، القلق لم يعد مرتبطًا بالحدث نفسه بل بما قد يحدث، أو ما كان يمكن أن يحدث، لم يعد زائرًا مؤقتًا للحالات الطارئة في حياتنا، بل أصبح حالة وجود بين زمنين: مستقبل لم يقع بعد، وماضٍ لم يُغلق بالكامل في الذاكرة، أما الحاضر فيبدو كأنه نقطة ضيقة بين هذين الامتدادين، الحاضر أصبح رخوًا وقابلًا للتلاشي وذلك لأنه معلق بالاحتمالات، ومحاطًا بهشاشة اليقين، فكل إنسان بشكل أو بآخر يبني بداخله رؤية عن الاستقرار، وصورة ذهنية للعالم بوصفه قابلًا للفهم، والتنبؤ، والسيطرة، لكن هذه الصورة مهما بدت متماسكة تظل قابلة للتصدع عند أول احتكاك حقيقي مع الصدمات، والخيبات، ومن هذا التصدع تحديدًا يولد القلق، والذي لا يمكن أن نصفه فقط بأنه توتر داخلي بل هو شعور عميق بالثقل، فنحن نقلق لأننا نريد ضمانات، ولأننا نريد أن تسير الأمور كما نخطط، ولأننا نرغب بأن يبقى الآخرون كما نعرفهم، نحن لا نتصالح مع فكرة أن الحياة لا تعطي هذا النوع من اليقين، وبذلك ينشأ التوتر بين رغبتنا في الثبات، وحقيقة التغيّر المستمر، لذا نحن لا نعيش في مسارٍ واحد بل في داخل شبكة من المسارات التي تحمل صورًا بديلة للحياة، نعيش في أحداث محملة بالفرضيات، وبين تفاصيل تسكن الضفة غير الآمنة.
في علم النفس يُنظر إلى القلق بأنه استجابة طبيعية تهدف إلى حماية الإنسان، وتدفعه إلى الانتباه والاستعداد، لكن في الواقع أن هذه الاستجابة تتحول إلى عبء عندما تتضخم وتصبح نمطاً معيشياً، فالمشكلة الحقيقية ليست في وجود القلق، بل في تحوّله من إشارة مؤقتة إلى حالة دائمة، لأن القلق في هذه الحالة يفقد وظيفته ويبدأ في استنزاف صاحبه، فالتفكير المفرط، والخوف من الفشل، وضغوط الحياة اليومية كلها أنماط ذهنية تساهم في تغذيته وبغزارته، ربما أكثر ما نحتاجه هو البقاء في اللحظة الحاضرة والتي من خلالها قد نستطيع إعادة التوازن، وإنقاذ العقل من حالة التأهب الدائمة، نحن نحتاج أن يكون القلق محطة عبور فقط، وليس حالة انغمار، فالحياة لا تُبنى على ضمانات، ولا اختيارات، ولا قوانين حتمية.










































