اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٧ أيلول ٢٠٢٦
د. بدر بن سعود
لا بد من إخضاع كامل إعلانات لائحة توظيف الكفاءات المميزة إلى رقابة مقننة لضمان عدم تفصيل شروط قبول الوظائف على مقاس عدد محدود من الموظفين، وضرورة ربط الترشح للمراتب العليا بمعايير أداء معلنة لكل أحد، لإغلاق الباب أمام من يحاولون الجمع بين النفوذ المالي والسلطة، وإعادة الهيبة القديمة لمعايير الأقدمية والجدارة داخل بيئات العمل..
يواجه العمل الإداري هذه الأيام، وفي أكثر من دولة بما فيها المملكة، مشكلة حقيقية لا تتعلق بتراجع الإنتاجية، وإنما باختراق اللوائح التنظيمية وتطويع الثغرات، لصناعة نفوذ وظيفي سريع، يكون في الغالب خارج التدرج الطبيعي للسلم الوظيفي، وهذا الالتفاف رصدته دراسة لمعهد الإدارة البريطاني عام 2024، فقد لاحظت أن قرابة 30% من العقود الاستثنائية في قطاعات الإدارة الحديثة، يتم تصميمها خصيصاً لتجاوز مسطرة الأقدمية وتبرير التعدية الوظيفية، وهو ما أكدته هيئة الرقابة ومكافحة الفساد 'نزاهة' في بيانها يوم 23 يوليو من العام الجاري، والذي أشار الى تورط مسؤولين وموظفين في جرائم استغلال نفوذ، وفي التزوير الإداري لتمرير قرارات توظيف وترقيات غير نظامية، وكلاهما يثبت ان اللوائح الاستثنائية قد تستخدم أحيانا كممرات خلفية لصناعة قيادات متواضعة في إمكاناتها، وبطريقة قانونية، تعطيها أحقية البداية من قمة الهرم.
هذه التجاوزات الإدارية استفادت بالتأكيد من لائحة توظيف الكفاءات المتميزة، التي صدرت في مايو 2019، لاستقطاب الخبرات النادرة، وبدل استقطاب خبير حقيقي من خارج المنظومة، يطلب من موظف يعمل في الجهاز الحكومي نفسه، ويشغل وظيفة صغيرة ومحدودة الصلاحيات، أن يستقيل طوعاً، ومن ثم يعاد التعافد معه على وظيفة مدير عام، وبامتيازات فلكية، ليقود رؤساءه السابقين بقوة العقد لا بالجدارة والكفاءة، ويتكامل المشهد مع صياغة الأوصاف الوظيفية، وشروط الكفاءة المطلوبة، وبما يضمن توفرها في المرشح المحدد مسبقاً دون غيره، وكأنها ثوب العيد مفصلة عليه تماما، ويظهر التجاوز أمام الجهات الرقابية، باعتباره استقطابا مستوفيا للشروط النظامية، ولكنه في واقعه محسوبية مقنعة لقطع الطريق على الأكفأ، ووسيلة لتمكين قيادات شابة متوسطة العمر، ومنحها الميزة المالية للعقد، بجانب فرز وإقصاء الخبرات القديمة، واستنادا لأرقام الموارد البشرية لعام 2025، قفزت عقود التوظيف والبنود الاستثنائية، وبالأخص في وظائف القيادة المتوسطة والعليا، لما نسبته 22%، وإمكانية استغلالها واردة، لمصلحة أشخاص محسوبين على النافذين في الأجهزة الحكومية.
الحيل التنظيمية تأتي، في بعض الحالات، بشكل معكوس في قمة الهرم الإداري، عندما يتم ترشيح المسؤول المتعاقد متوسط العمر، لشغل مرتبة عليا أو وظيفة حكومية فخمة، ويفسخ عقده وتتوقف امتيازاته، ولكنه في المقابل يحصل على ميزات وصلاحيات لا يصل إليها بالعقد وحده، وهذا السلوك الإداري تعود جذوره إلى المجتمعات الغربية التي كانت شاهداً على ترك رجال أعمال كبار لامبراطورياتهم المالية من أجل الحصانة والمكانة السياسية، مثلما حدث مع الإيطالي سيلفيو برلسكوني، والظاهرة وثقتها بالأرقام دراسة نشرتها جامعة نورث وسترن الأميركية في 2023، وبينت فيها أن 11% من الأثرياء ورجال الأعمال في العالم يرغبون في الوصول إلى مناصب رسمية حكومية في بلدانهم، حتى يحصلوا على تفويض يعطيهم حق التحكم وإصدار الأوامر، متجاوزين فيه البيروقراطية التقليدية، وبما يمكنهم من استخدام الوظيفة الجديدة كأداة لتسريح أصحاب الخبرة والخدمة الطويلة، وتصفية الحسابات مع الخصوم، وكأنهم يحولون المقعد الرسمي من تكليف وطني الى ملكية خاصة.
بدأت الممارسات الإدارية غير السوية في الحضارة الرومانية، وتحديدا في عام 149 قبل الميلاد، عندما اُضطر مجلس الشيوخ لتشريع قانون كالبيورنيا، وتأسيس أول محكمة لمواجهة حيل تطويع اللوائح، والمثال التاريخي عليها، محاكمة الحاكم الروماني غايس فيريس، بعدما اتضح أنه لم يكن يخالف الأنظمة بصورة صريحة ومعلنة، وإنما كان يستغل الثغرات والبنود المرنة، ويطلب من الأشخاص التنازل عن حقوقهم بطيب خاطر، لتظهر أوراقه مستوفية للشروط من الناحية الشكلية، وفي الوقت الحالي تحولت اللوائح والبنود الاستثنائية الموجودة في الأساس لتمكين الكفاءات وتحسين الأداء إلى أداوات لشرعنة تنصيب غير المستحقين، وتجاوز طابور الأقدمية، بطرق تبدو نظامية في خطوطها العريضة.
لا أحتاج الى القول ان صناعة القيادة بالكيفية السابقة تؤثر سلبا على الولاء المؤسسي، وتؤدي الى حالة من الإحباط بين الكوادر الخبيرة، التي أمضت أعواما في التدرج الوظيفي، ما يجعل بيئة العمل أشبه بمسرح لاستعراض مناصب لغير المؤهلين، ولا أعمم، ولكن الفرز الإقصائي موجود ومشاهد في البيئات الوظيفية الغربية، من خلال تطويعها لقوانين تعمل على استعباد أصحاب الخبرة والمؤهلين، مثلما حدث في قضية التمييز الشهيرة داخل وكالة ناسا، وكشفها عن توظيف الإدارة لنظام تقييم أداء يتعمد منح الكوادر الخبيرة من الملونين درجات منخفضة، لتعطيل فرصتهم في الترقية الإدارية، والفكرة التنظيمية نفسها تكررت في قضية شركة النفط الأميركية 'تيكساكو'، حينما أجبرت مديريها على إعطاء الموظفين المستهدفين تقييم أداء منخفضا، لاستخدامه كمسوغ نظامي في استبعادهم، وفي الإطاحة بالكفاءات بحجة عدم انسجامها مع ثقافة المنظمة، ولعل الثابت أن تطويع اللوائح لخدمة مجموعات معينة لا يتوقف عند قتل الشغف والإنتاجية، لأنه يحول من يقومون بهذا العمل الى جزارين ينحرون الجدارة بسكين النظام الحادة.
أعتقد أن ما سبق يحتاج لمعالجة نظامية خاصة، تبدأ بإقرار فترة حظر قانونية لمدة لا تقل عن عامين، يمنع فيها تماما على الجهاز الذي يستقيل منه الموظف أن يعيد التعاقد معه بمزايا استثنائية، ولا بد من إخضاع كامل إعلانات لائحة توظيف الكفاءات المميزة الى رقابة مقننة لضمان عدم تفصيل شروط قبول الوظائف على مقاس عدد محدود من الموظفين، وضرورة ربط الترشح للمراتب العليا بمعايير أداء معلنة لكل أحد، لإغلاق الباب أمام من يحاولون الجمع بين النفوذ المالي والسلطة، وإعادة الهيبة القديمة لمعايير الأقدمية والجدارة داخل بيئات العمل.










































