اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٧ أيلول ٢٠٢٦
محمد الحمزة
ليس الفن التشكيلـي مجرد ألوان تُسكب على قماش، ولا خربشات عابرة تحاول ملء الفراغ، بل هو تجربة إنسانية عميقة تُعيد صياغة رؤيتنا للعالم من حولنا، إن الرسم، والنحت، والفن التجريدي، والأعمال التشكيلية الحديثة ليست إلا ترجمة بصرية لما يعجز اللسان عن التعبير عنه، وجسرًا يربط بين وجدان الفرد وذاكرة المجتمع، وفي زمن يتسارع فيه إيقاع الحياة الحضرية وتتعدد فيه التحديات، يبرز الفن بصفته ملاذًا روحياً يمنحنا فرصة للتأمل والارتقاء بالتذوق الجمالي.
تتجلى أهمية الفنون التشكيلية في حياة الإنسان بكونها وسيلة للتفريغ الوجداني وتعزيز الصحة النفسية؛ إذ يمنح الإبداع البصري العقل طاقة إيجابية ويُحفز التفكير الابتكاري وسعة الخيال. أما على مستوى المجتمعات، فإن الفنون تمثل المرآة الحقيقية لثقافة الهوية الوطنية؛ فالمجتمع الذي يحتفي بالفن التشكيلـي هو مجتمع حيوي يمتلك حواراً حضارياً راقياً. يسهم الفن في تهذيب الذوق العام، وترسيخ القيم الجمالية، وبناء الوعي الجمعي، فضلاً عن كونه قوة ناعمة تعكس النهضة الحضارية والازدهار الثقافي للأمم.
ولأن العمل الفني لا تكتمل رسالته إلا بوجود متلقٍ يستشعر جمالياته، تأتي أهمية تنظيم المعارض الفنية بصفتها المنصة التي تخرج الإبداع من عتمة المراسم إلى ضياء الجمهور. إن تنظيم المعارض وتقديم التسويق الاحترافي للفنانين لا يقتصر دورهما على تحقيق العائد الاقتصادي وضمان الاستدامة المالية للمبدعين فحسب، بل يمتد لبناء سوق فني متكامل يربط الفنان بالمقتنين وعشاق الفنون. إن مساندة الفنان والاحتفاء بمنجزه هما استثمار حيوي في العقل البشري، يُشعر المبدع أن لجهده قيمة ومكانة في وجدان مجتمعه ووطنه.
وفي هذا السياق المضيء، يبرز نموذج رائد ينبض بالحيوية في مشهدنا الثقافي، وهو 'جاليري وهج اللون'، الذي تأسس عام 2024 في مدينة الرياض، ليكون منصة فنية متكاملة تهدف إلى دعم الفنانين المحليين والدوليين ونشر الوعي الجمالي في المجتمع. لقد نجح الجاليري في خلق بيئة تفاعلية تجمع بين الإبداع الفني وتقديم خدمات الضيافة الدافئة لجذب أكبر قدر ممكن من الجمهور، محولاً الفن إلى تجربة مجتمعية ممتعة ومتاحة للجميع.
قدم جاليري 'وهج اللون' حزمة متميزة من المبادرات والأنشطة؛ بدءاً من تعزيز الوعي الثقافي عبر استضافة مبادرة 'حروفيات' للخط العربي، ووصولاً إلى الشراكة الميدانية من خلال تنظيم زيارات مدرسية وورش عمل صباحية للطلاب والطالبات لاكتشاف المواهب الشابة وتطويرها. كما حرص الجاليري على توفير منبر دائم لعرض وبيع الأعمال الفنية بمختلف اتجاهاتها من رسم ونحت وفنون رقمية ومشغولات يدويّة، بجانب إطلاق فعاليات دورية مثل احتفالية 'فنان الشهر'، وفعالية 'سوق الفنون'، ومبادرة 'يوم الرسم الحر' التي تُقدم أسبوعياً لتشجيع الجميع على ممارسة الفن.
ولا تتوقف طموحات 'وهج اللون' عند حدود المحلية، بل تمتد للارتقاء بحضور الفنان السعودي دولياً، وهو ما يظهر في الترتيب للمشاركة في معرض (إكسبو الكويت)، إلى جانب التنسيق لاستضافة فنانين دوليين في معارض محلية لتبادل الخبرات وتوسيع أفق الحوار الثقافي. إن المأمول مستقبلاً من هذا الجاليري هو مواصلة هذا النشاط المتوهج لتصبح الممارسة الفنية سلوكاً مجتمعياً يومياً ونواةً لصناعة ثقافية واعدة تُسهم في إثراء المشهد التشكيلي.
أظهرت الدراسات في علم الأعصاب الإدراكي أن التأمل في اللوحات والأعمال الفنية يُنشط مراكز المكافأة في الدماغ ويُقلل من مستويات التوتر، ويقول عالم الأعصاب والباحث في جماليات الدماغ بجامعة لندن، البروفيسور سمير زكي: 'إن الفن ليس مجرد رفاهية بصريّة، بل هو امتداد للوظيفة الأساسية للدماغ البشري في البحث عن المعرفة والجمال والنظام في هذا العالم'. إن دعم الفن واستدامة 'وهج اللون' ليس خياراً ثانوياً، بل احتياج إنساني ومجتمعي يصنع مجتمعاً أكثر إبداعاً وجمالاً.










































