اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ٢٧ أيلول ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
قال العين الدكتور خالد الكلالدة إن المنطقة العربية تمر بمرحلة إعادة تشكل عميقة في ظل غياب مشروع عربي جامع، مقابل حضور ثلاثة مشاريع إقليمية رئيسة هي التركي والإسرائيلي والإيراني، مؤكداً أن قدرة الأردن على التعامل مع التحولات المحيطة به تتطلب الجمع بين قراءة دقيقة للمشهد الخارجي وتعزيز منعة الجبهة الداخلية.
جاء ذلك خلال ندوة حوارية بعنوان «من أزمات الإقليم إلى إعادة تشكيل المنطقة: أين يقف الأردن؟»، نظمها منتدى محمد الحموري للتنمية الثقافية وأدارها الدكتور منذر الحوارات، ضمن سلسلة «سؤال المنعة والنهضة».
وأوضح الكلالدة أن التعامل مع العالم العربي باعتباره كتلة سياسية واحدة لا يعكس حقيقة المشهد الراهن، في ظل تفاوت أوضاع الدول العربية ومساراتها؛ فمنها من يركز على الاستقرار وحماية مصالحه الوطنية، ومنها من لا يزال يتعامل مع تداعيات الانتفاضات العربية، في حين تجاوزت دول أخرى تلك المرحلة بدرجات متفاوتة، إلى جانب دول ارتبطت خلال السنوات الماضية بمحور النفوذ الإيراني.
واعتبر أن أحد الاختلالات الأساسية في الوضع الإقليمي يتمثل في غياب مشروع عربي واضح ومتكامل، في وقت تتحرك فيه مشاريع إقليمية تركية وإسرائيلية وإيرانية، يسعى كل منها إلى حماية مصالحه وتوسيع دائرة نفوذه.
وفي قراءته للصراع الإسرائيلي الإيراني، رأى الكلالدة أن الطرفين، رغم التناقض والصراع بينهما، يحاولان بطرق مختلفة نقل أزماتهما من نطاقها المحلي والإقليمي إلى المستوى الدولي.
وقال إن إسرائيل تسعى، وفق قراءته، إلى تقديم نفسها باعتبارها دولة محاطة ببيئات غير مستقرة تشكل خطراً عليها، واستخدام هذه الصورة لتبرير تدخلاتها وترتيباتها الأمنية في المنطقة، بينما تسعى إيران إلى تدويل صراعها في ظل عدم قدرتها على مواجهة الولايات المتحدة منفردة.
الأردن بين تحديات الخارج ومتطلبات الداخل
وانتقل الكلالدة إلى موقع الأردن وسط التحولات المتسارعة، معتبراً أن المملكة تواجه في الوقت نفسه مجموعة من المؤثرات الخارجية والتحديات الداخلية، الأمر الذي يفرض التعامل مع المسارين باعتبارهما مترابطين.
وأشار خارجياً إلى تداعيات الحرب في قطاع غزة والتطورات في الضفة الغربية المحتلة، محذراً من مخاطر أي مشاريع تستهدف تهجير الفلسطينيين وما يمكن أن يترتب عليها من انعكاسات ديمغرافية وسياسية على الأردن.
كما تناول ملفات المياه والطاقة وحقوق الأردن في مياه نهر الأردن والتحديات المتعلقة بمصادر التزويد المائي، باعتبارها ملفات ترتبط مباشرة بالأمن الوطني وبقدرة المملكة على مواجهة الضغوط الإقليمية.
أما في الداخل، فرأى الكلالدة أن تعزيز منعة الدولة لا يقع على عاتق جهة واحدة، وإنما يمثل مسؤولية تتوزع بين السلطتين التنفيذية والتشريعية ومؤسسات المجتمع المدني، بما فيها الأحزاب والنقابات.
وأكد أن قدرة الدولة على مواجهة الضغوط الخارجية ترتبط بمتانة جبهتها الداخلية، وقوة مؤسساتها، ومستوى الثقة بينها وبين المجتمع، وقدرتها على التعامل بشفافية مع القضايا التي تشغل الرأي العام.
الكلالدة يدعو إلى تقييم تجربة التحديث السياسي
وفي ملف التحديث السياسي، دعا الكلالدة إلى إجراء مراجعة لتجربة تحديث المنظومة السياسية وقياس النتائج التي حققتها بعد مرور فترة على إطلاقها.
وتساءل عن مدى نجاح العدد الكبير من الأحزاب القائمة حالياً في تحقيق الغايات المرجوة من عملية التحديث، وما إذا كانت التجربة تحتاج إلى تقييم يساعد على تحديد جوانب القوة والاختلال فيها.
وجاء طرح الكلالدة من زاوية ضرورة إخضاع مسارات التحديث للتقييم المستمر، بحيث لا تصبح عملية التحديث مرتبطة بإطلاق التشريعات والبرامج فقط، وإنما بقياس نتائجها الفعلية ومدى تحقيقها للأهداف التي أُنشئت من أجلها.
الاستثمار لا يقاس بحجم الأموال فقط
وتناول الكلالدة مسار التحديث الاقتصادي، منتقداً التركيز على استقطاب مشروعات تحقق عوائد مالية من دون أن ينعكس أثرها بصورة كافية على تشغيل الأردنيين والاقتصاد المحلي.
ورأى أن معيار تقييم الاستثمار ينبغي ألا يتوقف عند قيمة المشروع أو حجم أرباحه، بل يجب أن يشمل عدد فرص العمل التي يوفرها للأردنيين، ومدى مساهمته في تنشيط الاقتصاد المحلي وتحقيق قيمة مضافة مستدامة.
وتطرق في السياق ذاته إلى أوضاع العمالة في المدن الصناعية وعدد من الملفات المرتبطة بالضمان الاجتماعي، داعياً إلى نقاش أوسع بشأن أثر السياسات المتبعة في سوق العمل على العمالة الوطنية ومؤسسات الحماية الاجتماعية.
«الحكومة تقلص مساحة الرأي والنقد.. وهذا خطير»
وفي جانب من حديثه عن الشأن العام، شدد الكلالدة على أهمية حق المجتمع في الوصول إلى المعلومات، معتبراً أن المعلومة ليست مسألة إعلامية فقط، وإنما إحدى أدوات تعزيز الثقة ومنعة الدولة.
وقال إن «الحكومة تقلص مساحة الرأي والنقد، وهذا خطير»، منتقداً ما وصفه بتراجع مساحة الإعلام في مناقشة بعض القضايا التي تشغل الرأي العام.
وتساءل الكلالدة عن مصير ملفات وقضايا يعلن عن إحالتها إلى القضاء، ثم يستمر منع النشر بشأنها لفترات طويلة من دون أن يعرف الجمهور ما انتهت إليه، معتبراً أن القضايا الكبرى المرتبطة بالشأن العام تحتاج إلى معلومات وإجابات واضحة.
وطرح الكلالدة سؤالاً مباشراً: «إذا لم تناقش هذه القضايا تحت الضوء، فأين تناقش؟»
ودعا إلى تقليص مساحة الغموض التي تحيط ببعض المشاريع والملفات الكبرى، وتوفير المعلومات بشأنها للرأي العام، معتبراً أن المجتمع الأكثر اطلاعاً وقدرة على النقاش هو أكثر قدرة على بناء الثقة بمؤسسات الدولة.
تحديث القطاع العام يحتاج إلى مراجعة أيضاً
ولم يستثن الكلالدة مسار تحديث القطاع العام من دعوته إلى التقييم، إذ رأى أن هذا المسار يحتاج هو الآخر إلى مراجعة دورية، خصوصاً في ضوء تعديلات طرأت على بعض القرارات والإجراءات بعد بدء تطبيقها.
وأكد أن التحديث بمساراته السياسية والاقتصادية والإدارية يجب ألا يُنظر إليه باعتباره عملية تنتهي بإقرار برنامج أو تشريع، بل مساراً يخضع للقياس والمراجعة والتصويب استناداً إلى النتائج المتحققة على أرض الواقع.
معادلة المنعة الأردنية
وخلص الكلالدة إلى أن قدرة الأردن على التعامل مع منطقة مضطربة ومتغيرة تقوم على مسارين لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر: فهم دقيق لما يجري خارج الحدود، وبناء جبهة داخلية قوية تقوم على الثقة والشفافية والمشاركة في النقاش العام.
وبحسب الطرح الذي قدمه خلال الندوة، فإن التحديات الخارجية مهما بلغت حدتها لا يمكن التعامل معها بالأدوات السياسية والأمنية وحدها، إذ تزداد قدرة الدولة على مواجهتها كلما كان الداخل أكثر تماسكاً، وكانت المعلومات متاحة، والمؤسسات قادرة على مراجعة سياساتها وتصويبها.
وتأتي الندوة ضمن سلسلة «سؤال المنعة والنهضة» التي أطلقها منتدى محمد الحموري للتنمية الثقافية امتداداً لبرنامجه الحواري، بهدف مناقشة أزمات الدولة والمجتمع العربي والتحولات الإقليمية وإمكانات تعزيز المنعة في بيئة إقليمية ودولية متغيرة.












































