اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦
د. عبدالله محمد الشعلان *
في خضمّ الأمواج المتلاطمة التي يشهدها العالم في وقتنا الحاضر وحيث تتشابك خيوط الاقتصاد والسياسة وتطلعات الشعوب في نسيج معقد لا يقبل التبسيط، تظل «الطاقة» هي شريان الحياة النابض، والوقود المحرك لعجلات الزمن نحو المستقبل. وفي هذا السياق العالمي الدقيق، تبرز منصات الحوار الكبرى كميادين لبلورة القضايا المتشابكة وحلول المشاكل المعقدة من أجل صياغة المصير الإنساني المشترك. ومن بين هذه المنصات الاستراتيجية، تجلى «أسبوع سنغافورة الدولي للطاقة 2026» كمسرح فكري واقتصادي عالمي، التقت فيه العقول والتحمت فيه الرؤى حيث هناك وقفت المملكة العربية السعودية، بصفتها صمّام أمان الاقتصاد العالمي وبوتقة التقائه واندماجه لتقدم وثيقة تاريخية واستراتيجية صاغتها حكمة قيادية رشيدة انطلقت من فكر ملهم ونظر بعيد.
لقد كان الحضور السعودي في هذا المحفل الاستثنائي تجسيدًا للثقل الجيوسياسي والمكانة الريادية التي تتبوأها المملكة. وفي طليعة هذا الحضور، جاءت المشاركة الفاعلة في الكلمة الضافية الكافية لصاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان، وزير الطاقة، وزير الصناعة والثروة المعدنية لتضيء آفاق النقاش وتضع النقاط على حروف المستقبل، في تكامل فريد مواكب للرؤية الوطنية الشاملة التي تضم قطاعات الطاقة والصناعة والتعدين في إهاب واحد. لقد أعرب سموه -يحفظه الله- عن خالص المواساة لجميع المتضررين من أزمة الطاقة في ظل الظروف الحاضرة والتقدير لكل من بذل جهودًا لحماية الأرواح وضمان استمرارية الخدمات، كما أشار سموه إلى أن تداعيات هذه الأزمة لاتقف عند حدود منطقتنا فالاضطرابات التي تطال البنية التحتية ومسارات إمداداتها تنعكس على البشر والاقتصادات وقطاع الأعمال في مختلف أنحاء العالم، وهذا يبرز درسًا جليًا وهو أن المرونة تبنى قبل الحاجة إليها ويتمثل ذلك في القدرة على استمرار العمليات وإعادة توجيه الإمدادات عند الحاجة وسرعة التعافي من الاضطرابات مع ما يتطلب ذلك من استثمارات مستمرة وكفاءات مؤهلة وشركاء موثوقين على استعداد للعمل المشترك وقت الأزمات. وأضاف سموه: استثمرت المملكة على مدى عقود في تعزيز جاهزيتها تحسبًا لمثل هذه الظروف وأسهم خط أنابيب شرق-غرب ومرافق التخزين وسلاسل الإمداد المحلية إلى جانب خبرات وكفاءة العاملين في قطاع الطاقة السعودي وتفانيهم في تعزيز قدراتنا على التعامل مع الأزمات والتقلبات والاضطرابات أيا كان نوعها وحيثما كان مصدرها. كما بيَّن أنه في مثل هذه الظروف الدقيقة التي نمر بها واصلت المملكة الوفاء بالتزاماتها وإمداد الأسواق العالمية بالطاقة بكل موثوقية وكفاءة وهو التطبيق العملي لمفهوم المرونة وفي الوقت ذاته نواصل الاستثمار في المحافظة على طاقتنا الانتاجية من البترول والتوسع في مجالات الغاز والطاقة المتجددة وشبكات الكهرباء لتلبية الطلب المتنامي وتعزيز موثوقية منظومة الطاقة بمفهومها الشامل في المملكة.
لم تكن هذه المشاركة لسموه مجرد حضور (بروتوكولي) في مؤتمر دولي فحسب، بل كانت بمثابة إعلان مبادئ، ورسم لخارطة طريق تضمن للبشرية عبورًا آمنًا نحو مستقبل مستقر مستدام، بعيدًا عن تقلبات الأسواق ومفاجآت الأحداث لطارئة. لقد حملت مضامين الرؤية التي طرحها سموه، أن أمن الطاقة لا يمكن أن يتحقق بالركون إلى الحلول المؤقتة أو الاعتماد على أنظمة هشة، بل يتطلب، وبشكل قاطع «منظومات أكثر مرونة». إن المرونة في الفلسفة السعودية للطاقة ليست مجرد قدرة على التكيف (التكتيكي) مع رياح الأزمات الطارئة، بل هي استراتيجية متكاملة تتغلغل في البنية التحتية، وسلاسل الإمداد، والسياسات الإنتاجية. إنها القدرة الفاعلة على امتصاص الصدمات، وإعادة توجيه المسارات وتقديم البدائل في الملمات والمنعطفات الحرجة. وهذه المنظومات المرنة التي تحدث عنها سمو الأمير، هي تلك التي لا تنكسر أمام رياح التغيرات الجيوسياسية، ولا تنحني أمام تقلبات المناخ، بل تظل متماسكة قادرة على تلبية نداء الواجب الإنساني والاقتصادي بضخ الدماء في شرايين التنمية العالمية دون توقف. إنها دعوة لعالَم مبتكر يعيد هندسة أنظمة الطاقة لتكون أشبه بالكائنات الحية؛ تنمو وتكبر وتتنفس وتتأقلم حتى في أحلك الظروف وأعنفها وقعًا. بيد أن المرونة وحدها، وكما أكدت الرؤية السعودية في سنغافورة، تبقى فكرة مجردة إذا لم تُسند بقوة دافعة تحيلها إلى واقع ملموس، ومن هنا، جاء التأكيد الصارم على ضرورة الاستثمارات المستمرة والكفاءات المؤهلة وشركاء على استعداد للعمل وقت الأزمات وتعزيز الجاهزية في مثل هذه الظروف. وفي عالم تتقاذفه تيارات التحول نحو طاقات جديدة، وتتعالى فيه الأصوات المنادية بالتخلي السريع وغير المدروس عن المصادر التقليدية، برزت الحكمة السعودية لتحذر من مغبة السقوط في فخ «الفراغ الاستثماري» لقد كان سمو الأمير واضحًا وجليًا حين أشار إلى أن قطع الاستثمارات عن قطاع الطاقة تحت أي ذريعة، ما هو إلا بمثابة إغلاق لصنابير الحياة عن اقتصاديات العالم. الاستثمار المستمر في قطاع الطاقة، والصناعة، واستخراج الثروات المعدنية الحيوية للتحول، هو الجسر الذي سيعبر بنا من ضفة الحاضر المثقل بالتحديات إلى ضفة المستقبل العامر بالمعطيات.
موثوقية الإنتاج
ولهذا، فإن الاستثمار في رفع الكفاءة، وتقليل الانبعاثات، وتطوير التقنيات النظيفة، جنبًا إلى جنب مع الحفاظ على موثوقية الإنتاج، لهو المسار العقلاني الوحيد. إن هذه الاستثمارات المستمرة هي التي تضمن تحصين الاقتصاد العالمي ضد تقلبات الأسعار القاسية، وهي التي تمنح الدول النامية فرصة التعاطي مع هذه الظروف واللحاق بركب الحضارة، وتوفر للدول المتقدمة الوقود اللازم لاستمرار صناعاتها وابتكاراتها. ولأن العالم أصبح قرية صغيرة لا تعيش فيها دولة بمعزل عن محيطها، فقد ارتكز المحور الثالث في الرؤية التي قدمتها المملكة في سنغافورة على مفهوم «الشراكات الموثوقة» في بحر الاقتصاد المضطرب لا مكان فيه للقوارب الفردية؛ بل يجب أن تتشابك الأيدي وتتوحد الجهود في سفن ضخمة قادرة على شق عباب الصعاب. لقد أثبتت المملكة العربية السعودية، عبر عقود من الزمن، أنها الشريك الأكثر موثوقية، والحليف الذي لا يحيد عن التزاماته. وفي أسبوع سنغافورة 2026، تجدد هذا العهد فالشراكات الموثوقة التي عناها ودعى إليها سموه هي تلك التي تُبنى على العمل الجاد والفهم العميق والشفافية المتبادلة للمصالح المشتركة. إنها الشراكات التي تتجاوز عقود البيع والشراء لتصبح تحالفات استراتيجية قادرة على مواجهة التحديات وضمان استمرارية الإمدادات. إن ضمان استمرارية الإمدادات ليس مجرد وعد تجاري، بل هو التزام أخلاقي تأخذه المملكة على عاتقها كدولة رائدة قائدة، فحين تتعثر الإمدادات وتتعطل المصانع وتظلم المستشفيات وترتبك سبل العيش لملايين البشر تبعًا لذلك، فإن المملكة، ومن خلال تكامل أدوار الطاقة والصناعة والموارد المعدنية، تبني اليوم منظومة متينة لا تخضع للاضطرابات المؤقتة، ولا تتزعزع أمام الأزمات المباغتة، هذه الموثوقية هي ما يبحث عنه شركاء المملكة، وهي العملة النادرة في عالم اليوم الذي يتسم بالضبابية وعدم اليقين. وفي هذه الأجواء الجيوسياسية المعتمة لم تغفل الرؤية السعودية أهمية التوجه شرقًا، حيث تنبض قلوب الاقتصادات الأسرع نموًا في العالم. لقد مثّل «أسبوع سنغافورة الدولي للطاقة» المنصة المثلى لـتعزيز التعاون مع سنغافورة وشركاء المملكة في آسيا. إن آسيا ليست مجرد سوق للمملكة، بل هي شريك تاريخي وتنموي ومستقبلي، وسنغافورة بوصفها مركزًا عالميًا للابتكار والمال والخدمات اللوجستية، تمثل بوابة استراتيجية نحو القارة الصفراء، والتعاون المأمول معها لا يقتصر على التبادل التجاري التقليدي، بل يمتد ليشمل نقل التقنية، وتوطين المعرفة، والابتكار المشترك في حلول الطاقة النظيفة، واستدامة سلاسل الإمداد الصناعية والمعدنية. لقد رسم سمو وزير الطاقة في خطابه لوحة فنية تجسد ملامح الطريق نحو الشرق، مؤكدًا أن التكامل مع شركاء آسيا لهو الأساس الذي يدعم أمن الطاقة ومرونتها والازدهار المشترك. إن معنى «الازدهار المشترك» هنا يحمل دلالات إنسانية واقتصادية عميقة؛ فهو يعني أن المملكة لا تسعى لنمو أحادي الجانب، ولا تؤمن باقتصاد مبني على حساب الآخرين بل على النقيض من ذلك تمامًا، تؤمن المملكة بأن استقرار القارة الآسيوية وازدهارها الصناعي والتقني ينعكس إيجابًا على العالم أجمع، وأن توفير الطاقة الآمنة والمستدامة للمصانع والمدن في آسيا لهو استثمار مباشر ودافع ومعين لاستقرار الاقتصاد العالمي. هذا التعاون البنّاء بين المملكة وشركائها في القارة الآسيوية، يجسد نموذجًا لما يجب أن تكون عليه العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين، علاقات لا تقوم على الهيمنة أو التنافس الصفري، بل على التكامل الإيجابي، حيث تقدم المملكة مواردها وقدراتها وموثوقيتها الاستثمارية الهائلة، للدول الآسيوية وفي مقدمتها سنغافورة وابتكاراتها وأسواقها النشطة وكفاءاتها البشرية. ومن خلال هذه المعادلة المتوازنة، يتم بناء حائط صد منيع أمام أيّ أزمات مستقبلية قد تهدد أمن الطاقة، ويُفتح الباب واسعًا أمام ازدهار حقيقي يطال أثره كل فرد في هذه المنظومة. ولعل من يتأمل مسار الكلمات التي أُلقيت في ذلك الأسبوع في سنغافورة، يدرك أن المملكة العربية السعودية، بقيادة خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين -يحفظهم الله- ترسم معالم مرحلة جديدة في تاريخ الطاقة العالمية، مرحلة تتجاوز فيها المملكة دورها كمنتج رائد للنفط، لتصبح صانعة لمستقبل الطاقة ومحركًا رئيسا للصناعة العالمية وموردًا استراتيجيًا لأهم المعادن التي يحتاجها التحول العالمي. إن دمج هذه القطاعات وتناغمها في سياسة واحدة، يجعل من المملكة الحجر الأساس الذي لا يمكن تجاوزه في أي بناء مستقبلي للاقتصاد العالمي.
ختامًا، إن المشاركة السعودية البارزة في أسبوع سنغافورة الدولي للطاقة 2026، والرسائل القوية التي حملها صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان، ستبقى محفورة في ذاكرة المراقبين والمحللين ودوائر صنع القرار العالمي. لقد أثبتت المملكة مجددًا أنها تمتلك من الحكمة وبعد النظر والقدرة على المبادرة ما يجعلها الملاذ الآمن للاقتصاد العالمي. إن المبادئ التي أُرسيت في هذا المحفل من مرونة المنظومات وحتمية الاستثمارات المستمرة ورسوخ الشراكات الموثوقة وتعميق الروابط مع سنغافورة وآسيا لضمان الازدهار المشترك، ليست مجرد خيارات مطروحة على طاولة النقاش، بل هي طوق النجاة الوحيد لعالم يتطلع إلى غدٍ مشرق. وفي هذا الطريق الطويل نحو المستقبل، ستبقى المملكة كعادتها دائمًا، المنارة التي تهتدي بها سفن العالم، واليد الممدودة بالخير، والركيزة التي يستند إليها كل طامح في الاستقرار والنماء.
ومن هنا يأتي شعار أسبوع سنغافورة الدولي للطاقة هذا العام لربط أنظمة الطاقة وتزويد الغد بالطاقة الذي يأتي في توقيت بالغ الحساسية والأهمية، فأمن الطاقة يعتمد على مرونة المنظومة بأكملها وعلى شراكات يمكن الوثوق بها والاعتماد عليها
لبناء منظومات طاقة أكثر مرونة ومواصلة الاستثمار في البنى التحتية، وتعزيز الشراكات المؤهلة والموثوقة لضمان استمرارية الإمدادات في مواجهة التحديات والاضطرابات التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية ربما ليس لاقتصادات آسيا فحسب بل لاقتصادات العالم أجمع.










































