اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٥ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. مشاري النعيم
فكرة الثقافة الزائفة تعني في جوهرها اختلاق ثقافة مزيفة مترفعة عن المجتمع، ليس فيها أي عمق ولا تؤدي إلى أي حراك فكري وفني؛ لأنها ثقافة محصورة بين فئة اجتماعية ترى فيها نوعًا من الملكية، وليس صناعة التغيير.. وهي ثقافة تظل دائرة مغلقة؛ تتداول رموزها داخل نطاق محدود، من دون أن تتحول إلى معرفة مشتركة أو أن تفتح حوارًا مع قضايا المجتمع وتحولاته..
حين تتحول الثقافة إلى مظهر يُقتنى، وتنفصل عن الإبداع الذي يمنحها معناها، تصبح حاضرة في الصورة وغائبة عن أثرها. ومن هنا يبدأ السؤال عن علاقتنا بالثقافة: هل نريد أن نشارك في صنعها، أم أن نمتلك ما يدل عليها؟
مفهوم العمق الثقافي الشخصي مرتبط بما يقدمه أشخاص معينون للمجتمع، وليس بما يراكمونه لأنفسهم من معرفة أو بما يحرصون على إظهاره للآخرين. فالثقافة حين تتحول إلى أثر تتجاوز صاحبها، وتصبح جزءًا من المجال الذي يعيش فيه الناس، وتفتح أمامهم إمكانات جديدة للتفكير والإبداع. هذا يذكرني دائمًا بطبقة الأرستقراطيين في أوروبا الذين دعموا الفنانين والمفكرين على مدى قرون، وأسهموا في خلق ما نسميه التراث الفني والفكري لعصر النهضة. لم يكن همهم أن يكونوا هم البارزين، بل عملوا على أن يسمحوا للمبدعين أن يخلقوا فضاءً إبداعيًا غيّر مصير أوروبا. وتكمن دلالة هذه التجربة في أن القيمة الثقافية لا تتحقق دائمًا بأن يكون المرء في واجهة المشهد؛ فقد تكون في تهيئة الظروف التي تتيح للآخرين أن يعملوا ويبتكروا، وفي الإيمان بأن المجتمع يصبح أكثر ثراءً حين يجد المبدع من يسانده ويحمي استقلاله. ومن هنا، فإن العمق الثقافي الشخصي يقاس بما يتركه الإنسان من أثر في حياة مجتمعه، وبما يتيحه من فرص للمعرفة والفن والفكر كي تنمو وتتصل بالأجيال اللاحقة.
في الوقت نفسه صرت أنتبه أكثر لما قدمه رجال الأعمال وأصحاب المال للثقافة العربية والسعودية بشكل خاص. فالدعم الثقافي لا يقتصر على رعاية فعالية أو تمويل مشروع عابر، بل يتصل بقدرة المجتمع على بناء مؤسسات تحفظ المعرفة، وتوفر للمبدعين وقتًا ومساحة للعمل، وتتيح للأفكار أن تنمو وتصل إلى الناس. لم أتوقف في الحقيقة عند أمثلة مهمة ومؤثرة، قد تكون سببًا في هدر كثير من طاقات المبدعين العرب والسعوديين، ويمكن أن يكون هذا سببًا رئيسًا في الوضع الحضاري والنهضوي الذي نعيشه اليوم. فالمبدع الذي لا يجد مناخًا يقدّر عمله، أو مؤسسات تستوعب طاقته، قد يظل إنتاجه محدود الأثر، أو يضطر إلى البحث عن بيئة أخرى تتيح له مواصلة تجربته.. والبحث في أسباب عزوف القادرين من رجال الأعمال عن دعم الثقافة يحتاج إلى دراسة، لكن قناعتي الشخصية أن هؤلاء لا يملكون الثقافة الشخصية العميقة التي تجعلهم يفهمون ويقدرون فرصة خلق مناخ فكري وفني يساهم في صناعة نهضة حقيقية. فالمسألة، في تقديري، لا ترتبط بوفرة المال وحدها، بل بنظرة صاحبه إلى الثقافة: هل يراها عنصرًا أساسيًا في بناء المجتمع ومستقبله، أم شأنًا هامشيًا يمكن تأجيله؟ إن غياب هذه النظرة يحرم الثقافة من موارد قادرة على تحويل المبادرات الفردية إلى عمل مستمر، ويحرم المجتمع من طاقات كان يمكن أن تسهم في تشكيل وعيه وصورته الحضارية.
ما أسميه 'ثقافة زائفة' ناتج تاريخ طويل من الملاحظات التي تنبهت لها خلال فترة طويلة من الزمن، وعبر تجارب متعددة شاهدت خلالها اختلاط مفهوم الثقافة والتملك لدى كثير من رجال الأعمال؛ فالهدف هو امتلاك الفن، وليس المساهمة في صناعته.. وإن استدعى الأمر تقليده، فالمظهر أهم من الجوهر، والصورة التي يرغبون أن تراها طبقة من المجتمع أهم بكثير من المرئي نفسه. ويظهر هذا الخلط حين يُنظر إلى العمل الفني بوصفه مقتنى يضاف إلى الممتلكات، أو علامة تمنح صاحبه حضورًا اجتماعيًا، بينما لا يحظى الفنان بما يحتاج إليه من دعم أو مساحة للاستمرار والتجريب. عندها يصبح الاهتمام منصبًا على ما يحيط بالعمل من مظاهر، لا على الفكرة التي يحملها ولا على التجربة التي أنتجته.
فكرة الثقافة الزائفة تعني في جوهرها اختلاق ثقافة مزيفة مترفعة عن المجتمع، ليس فيها أي عمق ولا تؤدي إلى أي حراك فكري وفني؛ لأنها ثقافة محصورة بين فئة اجتماعية ترى فيها نوعًا من الملكية، وليس صناعة التغيير.. وهي ثقافة تظل دائرة مغلقة؛ تتداول رموزها داخل نطاق محدود، من دون أن تتحول إلى معرفة مشتركة أو أن تفتح حوارًا مع قضايا المجتمع وتحولاته. فالثقافة التي لا تتجاوز حدود الامتلاك والاستعراض لا تمنح الفن فرصة التأثير، ولا تتيح للمبدعين أن يسهموا في تشكيل وعي الناس. وهكذا تبدو الثقافة حاضرة في الصورة، لكنها غائبة عن الفعل؛ تُعرض بوصفها مكانة اجتماعية، ولا تُمارس بوصفها قوة قادرة على إحداث تغيير فكري وفني. النهضة لا تُبنى بامتلاك آثار الثقافة، بل بتهيئة المجال لمن يصنعونها. وما لا يتحول إلى أثر في المجتمع يظل مظهرًا، مهما بدا براقًا.










































