اخبار السعودية
موقع كل يوم -الخليج أونلاين
نشر بتاريخ: ١٥ كانون الأول ٢٠٢٥
يوسف حمود - الخليج أونلاين
منذ توقيع اتفاق بكين في مارس 2023، سعت الرياض وطهران، برعاية صينية مباشرة، إلى إعادة بناء الثقة تدريجياً
يعكس انعقاد الاجتماع الثالث للجنة الثلاثية السعودية–الصينية–الإيرانية في طهران انتقال اتفاق بكين من مرحلة إعادة العلاقات الدبلوماسية إلى مرحلة تثبيت آليات المتابعة السياسية والأمنية، في وقت تشهد فيه المنطقة توترات غير مسبوقة، من غزة ولبنان إلى سوريا واليمن.
ومنذ توقيع اتفاق بكين في مارس 2023، سعت الرياض وطهران، برعاية صينية مباشرة، إلى إعادة بناء الثقة تدريجياً بعد سنوات من القطيعة والتوتر، ولم يكن الاتفاق مجرد مصالحة ثنائية، بل حمل بعداً إقليمياً أوسع، ارتبط بإعادة ضبط قواعد الاشتباك السياسي في الشرق الأوسط.
ويبرز الاجتماع الثالث، الذي عُقد في 9 ديسمبر الجاري، برئاسة نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية مجيد تخت روانجي، وبمشاركة نائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي ونائب وزير الخارجية الصيني مياو دييو، بوصفه محطة تقييم شاملة لمسار الاتفاق، بعد مرور أكثر من عامين على إطلاقه، وفي ظل تطورات أمنية وسياسية وضعت الاتفاق أمام اختبارات حقيقية.
إدارة الأزمات
ويمثل الاجتماع الثالث، الذي عُقد في طهران، أكثر الاجتماعات حساسية منذ توقيع الاتفاق، نظراً لتزامنه مع تصعيد إقليمي واسع.
وأكدت السعودية وإيران خلاله التزامهما الكامل بتنفيذ اتفاق بكين وبنوده كافة، واستمرار السعي لتعزيز علاقات حسن الجوار واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها.
وأشاد المشاركون بالتقدم المحرز في العلاقات الثنائية، لا سيما في الخدمات القنصلية، حيث مكنت التسهيلات أكثر من 85 ألف حاج إيراني من أداء فريضة الحج، ونحو 210 آلاف معتمر من أداء مناسك العمرة خلال 2025، إضافة إلى توسع التعاون البحثي والثقافي والإعلامي بين المؤسسات في البلدين.
كما شدد الاجتماع، على أهمية الحوار الإقليمي لتعزيز الأمن والاستقرار، مع دعوة صريحة إلى وقف فوري للعدوان الإسرائيلي في فلسطين ولبنان وسوريا، والتنديد بانتهاك سيادة إيران.
وأعربت طهران عن تقديرها لمواقف السعودية والصين، فيما أكدت الدول الثلاث دعمها للحل السياسي في اليمن.
الاجتماع الثاني
جاء الاجتماع الأخير مكملاً للاجتماع الثاني للجنة الثلاثية في نوفمبر من العام الماضي، والذي ركز على توسيع نطاق التعاون الثنائي، خصوصاً في الملفات القنصلية والإنسانية والاقتصادية، حيث برز في هذا السياق ملف الحج والعمرة بوصفه مؤشراً عملياً على تحسن العلاقات، مع تسهيل إجراءات الحجاج والمعتمرين الإيرانيين.
كما ناقش الاجتماع الثاني حينها القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها اليمن، حيث أكد الطرفان دعمهما للحل السياسي الشامل تحت رعاية الأمم المتحدة، فيما تم التأكيد على أهمية خفض التصعيد الإعلامي والسياسي، وتجنب أي خطوات من شأنها تقويض مسار الحوار.
وشهد ذلك الاجتماع انتقال العلاقات من مرحلة 'إدارة القطيعة' إلى مرحلة 'إدارة المصالح'، مع ظهور بوادر تعاون في مجالات ثقافية وبحثية، وإن بقيت ضمن نطاق محدود ومحسوب.
اتفاق بكين
ولعل الاجتماعين الأخيرين قد جاءا استكمالاً لإعلان اتفاق بكين في 10 مارس 2023، برعاية صينية مباشرة، وللاجتماع الأول، حيث وضع حينها حداً لسبع سنوات من القطيعة بين السعودية وإيران.
ونص الاتفاق على استئناف العلاقات الدبلوماسية، واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والالتزام بميثاق الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي، إلى جانب إعادة تفعيل اتفاقيات التعاون الأمني والاقتصادي السابقة.
وشكل الاتفاق تحولاً استراتيجياً في مقاربة العلاقات الإقليمية، إذ انتقل من منطق المواجهة غير المباشرة إلى إدارة الخلافات عبر الحوار، كما منح الصين دوراً غير مسبوق في الوساطة السياسية في الشرق الأوسط، بوصفها ضامناً ومتابعاً لمسار التنفيذ، وليس مجرد راعٍ شكلي.
وفي الشهر الذي يلي الإعلان، وتحديداً في ديسمبر 2023، عُقد الاجتماع الأول للجنة الثلاثية، وتركز بشكل أساسي على الجوانب الإجرائية والتنفيذية للمصالحة، وشمل ذلك إعادة فتح السفارات، وترتيب عمل البعثات الدبلوماسية، وإعادة تفعيل الاتفاقيات الثنائية الموقعة سابقاً في مجالات الأمن والتعاون الاقتصادي.
وخلال هذا الاجتماع، جرى التأكيد على أولوية بناء الثقة، وتحييد الخلافات السياسية عن العلاقات الثنائية المباشرة، مع التشديد على احترام سيادة الدول وعدم استخدام أراضي أي طرف للإضرار بالطرف الآخر. كما تم الاتفاق على إنشاء آلية متابعة دورية بإشراف صيني لضمان استمرارية التواصل.
وشكل الاجتماع الأول الأساس المؤسسي لمسار بكين، حيث انتقل الاتفاق من إعلان سياسي إلى خطوات عملية، أعادت العلاقات إلى حدها الأدنى الطبيعي بعد سنوات من الانقطاع.
إدارة الخلافات الإقليمية
يقول الباحث في العلاقات الدولية عماد كمال إن الاجتماع الثالث للجنة يعكس انتقال اتفاق بكين 'من مرحلة إعادة العلاقات الدبلوماسية إلى مرحلة أكثر تعقيداً تتعلق بإدارة الخلافات الإقليمية في ظل بيئة سياسية وأمنية مضطربة'.
ويوضح لـ'الخليج أونلاين'، بقوله إن أهمية الاجتماع لا تكمن فقط في التأكيد المتكرر على الالتزام بالاتفاق، بل في قدرته على الصمود أمام اختبارات ميدانية حقيقية.
ويشير إلى أن استمرار التنسيق الثلاثي رغم التصعيد في فلسطين ولبنان وسوريا 'يدل على رغبة مشتركة في منع انزلاق الخلافات إلى مواجهة مباشرة بين الرياض وطهران'.
وأضاف أن الدور الصيني 'بات أكثر وضوحاً في هذه المرحلة، ليس بوصفه وسيط مصالحة فحسب، بل كطرف ضامن لمسار طويل الأمد، مستفيداً من مصالحه الاقتصادية وعلاقاته المتوازنة مع الطرفين'، معتبراً أن بكين تسعى إلى 'ترسيخ نموذج بديل لإدارة الأزمات الإقليمية يقوم على التفاهم التدريجي بدلاً من الضغوط السياسية'.
ويرى كمال أن اتفاق بكين، رغم تقدمه، 'لا يزال إطاراً لإدارة الخلاف لا لحله جذرياً'، مؤكداً أن نجاحه النهائي 'سيقاس بقدرته على تحييد التنافس السعودي الإيراني عن ساحات الصراع، وفي مقدمتها اليمن ولبنان، أكثر من قياسه بحجم البيانات المشتركة أو عدد الاجتماعات المنعقدة'.










































