اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة جراسا الاخبارية
نشر بتاريخ: ٢٢ نيسان ٢٠٢٦
محرر جراسا - في الذكرى الثالثة لرحيل رئيس الوزراء الأسبق مضر بدران، لا نقف عند حدود الاستذكار العابر، بل نستدعي سيرة رجل كُتب له أن يكون في قلب اللحظة الأردنية حين كانت تختبر صلابتها، وأن يكون من أولئك الذين لا يعلو صوتهم بقدر ما يعلو أثرهم..
لم يكن بدران اسمًا في سجل المناصب، بل كان مدرسة في إدارة الدولة، رجل خرج من رحم المؤسسة العسكرية، وتشكل وعيه في دهاليز الأمن، ثم صعد إلى موقع القرار وهو يحمل مزيجًا نادرًا من الحزم والرؤية، ومن الصمت المنتج والكلمة المحسوبة.
في جرش بدأت الحكاية، ومن هناك انطلقت مسيرة رجلٍ أدرك مبكرًا أن الدولة لا تُدار بردود الأفعال، بل ببناءٍ تراكمي هادئ وثابت حتى لو اهتز العالم من حوله.
في جهاز المخابرات العامة، لم يكن بدران مجرد مدير يدير ملفات، بل عقل استراتيجي يقرأ ما بين السطور، ويستبق العواصف قبل هبوبها، وفي زمن كانت فيه المنطقة تموج بالصراعات والتحولات، كان حضوره أحد أعمدة التوازن، يرسّخ الأمن لا بالقوة وحدها، بل بفهمٍ عميق لتعقيدات السياسة ومآلاتها.
وحين انتقل إلى رئاسة الحكومة، بدءًا من عام 1976، لم تكن المهمة ترفًا سياسيًا، بل عبئًا ثقيلًا في مرحلةٍ تتشابك فيها الأزمات: من الحرب العراقية الإيرانية، إلى الغزو الإسرائيلي للبنان، إلى ضغوط الاقتصاد وتقلبات الإقليم.. ومع ذلك، ظل نهجه قائمًا على الثبات لا الانفعال، وعلى العمل الهادئ الذي يراكم الإنجاز دون ضجيج.
في عهده، لم تكن الدولة مجرد إدارة يومية، بل مشروع بناء: إعادة هيكلة الإدارة العامة، دعم الصناعة الوطنية، تعزيز العلاقات مع دول الجوار دون التنازل عن الثوابت، وترسيخ سيادة القانون بوصفها عمود الدولة الصلب. كما شهدت تلك المرحلة إطلاق وتوسيع مشاريع استراتيجية شكلت عصب الاقتصاد الوطني، من تطوير قطاعي الفوسفات والبوتاس، إلى تحديث البنية التحتية من مطار وطرق وموانئ، وصولًا إلى تأسيس جامعات ومشاريع مياه وكهرباء امتدت آثارها لعقود.
لكن ما يميز بدران أكثر من كل ذلك، أنه كان رجل دولة بالمعنى العميق للكلمة، يؤمن أن الكرامة الوطنية ليست شعارًا، بل ممارسة يومية في القرار والموقف، وقد لخّص جلالة الملك الراحل الحسين بن طلال هذه الحقيقة حين قال: 'كان مضر من الرجال الذين نطمئن لوجودهم حين تعصف الريح بالمنطقة'.. وهي شهادة لا تُمنح إلا لمن ثبت في العاصفة ولم ينحني لها.
ورغم صرامة الموقع، بقي الإنسان في بدران حاضرًا: تواضعٌ لا تصنعه المناصب، وقربٌ من الناس لا تفرضه السياسة، فهو لم يكن من طلاب الأضواء، بل من صُنّاع الأثر، يعمل بصمت، ويغادر بصمت، تاركًا خلفه إرثًا يتكلم عنه.
في 22 نيسان 2023، غاب الجسد، لكن حضوره لم يغب. ثلاثة أعوام مرّت، وما زال اسمه يُستدعى كلما ذُكرت الدولة بمعناها الرصين، وكلما طُرح سؤال: كيف تُدار الأوطان في زمن العواصف؟
في ذكراه الثالثة، لا نرثي مضر بدران، بل نقرأه من جديد، نقرأ فيه درسًا في أن الدولة تُبنى بالعقل قبل الصوت، وبالثبات قبل الاندفاع، وبالإخلاص الذي لا يطلب جزاءً ولا شكورًا..
رحمه الله، وأبقى أثره شاهدًا على زمنٍ كان فيه الرجال بحجم الوطن.












































