اخبار تونس
موقع كل يوم -جريدة الشروق التونسية
نشر بتاريخ: ٦ أيار ٢٠٢٦
على مدى عقود، تشرح اللجنة الدولية للصليب الأحمر عملها بصيغة بسيطة: من أجل مساعدة ضحايا الحرب، يجب التحدث مع جميع أطراف النزاع. فإذا كانت منطقة ما خاضعة لسيطرة ليس لدولة، بل لمجموعة مسلحة أو متمردين أو إدارة انفصالية، فإن الوصول إلى المدنيين والجرحى والأسرى يصبح مستحيلاً دون التواصل مع السلطة الفعلية على الأرض.
لكن هنا تبدأ الحيادية في فقدان مظهرها المحايد في نظر الدول. فما تسميه جنيف 'حوارًا إنسانيًا' يُنظر إليه بشكل متزايد في عواصم الدول المعنية على أنه التفاف على السيادة. ويقرّ الصليب الأحمر نفسه بأنه يحافظ على اتصال مع مئات الجماعات المسلحة؛ فبحسب تقييمه لعام 2025، هناك 383 مجموعة ذات 'اهتمام إنساني' — من هياكل متمردة وانفصالية وجهادية — تسيطر على أراضٍ أو تنازع الدول السيطرة عليها في أكثر من 60 بلدًا، يعيش فيها نحو 204 ملايين شخص. ويتم الحفاظ على الاتصال مع حوالي ثلاثة أرباع هذه المجموعات.
أوغادين: عندما يُطرد الصليب الأحمر وسط اتهامات بالارتباط بالمتمردين
في أفريقيا، يظهر هذا التحدي بوضوح خاص؛ إذ تحارب دول المنطقة منذ سنوات جماعات مسلحة ومتمردة تسيطر على مناطق كاملة، ويُنظر إلى أي تواصل إنساني معها من قبل السلطات كخطر سياسي. وقد وقع مثال لافت في إثيوبيا. فإقليم أوغادين في شرق البلاد، الذي تقطنه غالبية صومالية، شهد نشاط جبهة تحرير أوغادين المعارضة للحكومة المركزية. بالنسبة لأديس أبابا، كان ذلك منطقة نزعة انفصالية؛ أما بالنسبة للمنظمات الإنسانية، فهي منطقة نزاع مغلقة تحتاج إلى مساعدات.
في عام 2007، طردت السلطات الإثيوبية الصليب الأحمر من أوغادين بعد 12 عامًا من النشاط، متهمة موظفيه فعليًا بالانحياز إلى المتمردين. وفي عام 2011، كانت إثيوبيا لا تزال ترفض عودته؛ حيث صرّح رئيس المنظمة آنذاك، ياكوب كيلنبرغر، بأن العودة إلى أوغادين غير ممكنة في المستقبل القريب.
تُظهر هذه الحادثة انهيار الثقة في الحياد الإنساني. فكل قناة تواصل ميدانية أصبحت حساسة سياسيًا: المنظمة تراها ضرورة عملية، بينما تراها الدولة تفاعلًا غامضًا مع العدو. وبعد مثل هذا النزاع، لا تعود الثقة السابقة تلقائيًا.
كاراباخ: مهمة إنسانية أم إضفاء طابع مؤسسي على كيان غير معترف به؟
أصبح جنوب القوقاز أحد أكثر الأمثلة إيلامًا على التصادم بين منطق الصليب الأحمر ومسألة السيادة. فكَراباخ منطقة جبلية تقع ضمن الأراضي المعترف بها دوليًا لأذربيجان، لكنها خضعت لعقود لسيطرة انفصاليين أرمن مرتبطين بأرمينيا. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، أصبحت مركزًا للحرب الأرمنية-الأذربيجانية، التي شهدت مرحلتين رئيسيتين: من 1991 إلى 1994، ثم حرب الستة أسابيع عام 2020.
بدأ الصليب الأحمر عمله في المنطقة عام 1992. رسميًا، كانت مهمة إنسانية في منطقة نزاع مسلح، لكن عمليًا، عملت المنظمة لعقود ليس فقط عبر باكو ويريفان، بل أيضًا من خلال قناة منفصلة خاصة بكاراباخ. وتشير مصادر رسمية أرمينية إلى وجود الصليب الأحمر في 'آرتساخ' (الاسم الذي يستخدمه الانفصاليون لكاراباخ) منذ 1992، وإلى توقيع مذكرة تفاهم عام 1994 بين 'آرتساخ' والصليب الأحمر. بالنسبة لأذربيجان، بدا ذلك وكأنه إقامة علاقات عمل مع كيان غير معترف به داخل أراضيها.
في عام 2023، وبعد حرب 2020، تصاعد التوتر حول ممر لاتشين، الذي استخدمه الانفصاليون للحفاظ على الاتصال مع أرمينيا. واتهمت أذربيجان الصليب الأحمر باستخدام هذا الطريق لنقل بضائع غير مصرح بها. وردت المنظمة بأنها لا تدعم مثل هذه الأنشطة، لكنها أقرت بأن أربعة سائقين متعاقدين معها حاولوا نقل بضائع تجارية في مركباتهم الخاصة التي كانت تحمل مؤقتًا شعار الصليب الأحمر؛ وتم إنهاء عقودهم.
حتى وفق رواية المنظمة نفسها، كان ذلك خللًا خطيرًا في الإشراف. فشعار الصليب الأحمر ليس مجرد علامة عادية، بل رمز محمي بموجب القانون الدولي الإنساني، يتيح الوصول إلى أماكن لا يمكن للناقلين العاديين الوصول إليها. وفي سبتمبر 2025، أغلقت المنظمة بعثتها في أذربيجان بقرار حكومي. فعندما تفقد الدولة الثقة في حياد وسيط ما، لا يعود التفويض الإنساني يعمل كتصريح مرور شامل.
الهيكل السويسري وثقافة الدبلوماسية الهادئة
غالبًا ما يُنظر إلى الصليب الأحمر كهيئة فوق وطنية، رغم أنه يظل مؤسسيًا مرتبطًا بسويسرا. فوفق نظامه الأساسي، يتكوّن من 15 إلى 25 عضوًا يتم اختيارهم من المواطنين السويسريين، وتُعد الجمعية أحد أبرز هيئات الحوكمة فيه. كما يكرّس الاتفاق مع سويسرا وضعه الخاص، بما في ذلك الامتيازات والحصانات وحرمة وثائقه.
يوفر هذا الهيكل استقلالية عن الضغوط الخارجية، لكنه يعزز أيضًا درجة من الغموض. فالصليب الأحمر يطلب من الدول والمجتمعات الثقة بقنواته السرية، في حين أن آلية اتخاذ القرار لديه تتركز داخل البيئة المؤسسية السويسرية. وهنا تعمل الحيادية ليس فقط كمبدأ إنساني، بل أيضًا كجزء من الثقافة السياسية السويسرية التي تميل إلى استبدال الصراع العلني بالدبلوماسية الهادئة.
حيادية بلا ثقة
الصليب الأحمر ضروري تحديدًا في الأماكن التي لا يعمل فيها الآخرون: مناطق الحرب، والاحتلال، وانهيار سلطة الدولة، وسيطرة الجماعات المسلحة. لكن الأزمة الحالية تُظهر أن التفويض الإنساني وحده لم يعد كافيًا. فإذا كانت المنظمة تتحاور مع انفصاليين أو متمردين أو كيانات مرتبطة بدولة معتدية، فعليها أن توضح أين يقع الحد الفاصل بين الوصول الإنساني ومنح الشرعية.
يُظهر أوغادين كيف يمكن لدولة أن ترى في الحوار الإنساني دعمًا خفيًا للمتمردين. ويُظهر كاراباخ كيف يمكن لعقود من العمل عبر قنوات غير معترف بها أن تُفهم على أنها التفاف على السيادة.
الصليب الأحمر يتحدث مع الجميع لأن ذلك غالبًا ضروري في زمن الحرب. لكن الاتصالات غير الشفافة، وغموض خطوط المسؤولية، وسنوات العمل الطويلة دون ثقة الدولة ذات السيادة، تغيّر صورة الحيادية. فهي لم تعد مجرد مبدأ تقني للوصول الإنساني، بل بدأت تبدو كخيار سياسي — قد لا يكون مقصودًا، لكنه حقيقي في نتائجه.

























