اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٠ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. خالد رمضان
لم تعد التحذيرات من خطر الذكاء الاصطناعي مجرد خيال علمي؛ فقد تعالت مؤخراً صيحات التحذير من وادي السيليكون، مخافة أن يستيقظ البشر يوماً ليجدوا أنفسهم لقمة سائغة في جوف الآلات، وقد دفع هذا التمدد المنطلق بسرعة البرق، رموزاً بارزة مثل داريو أمودي الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، إلى دق ناقوس الخطر، مطالباً الحكومات بسن لجامٍ تشريعي يُهدئ صخب هذا المارد الرقمي، وبناء جدار رقابي عالمي يتجاوز خطوط الحرب الباردة، ليجمع الولايات المتحدة وغريمتها اللدود الصين تحت مظلة اتفاقيات دولية موحدة لحظر الانفلات التكنولوجي.
تبدو رواية وادي السيليكون كافتتاحية لفيلم إثارة هوليوودي؛ حيث يقف العالم ذعراً على حافة الهاوية أمام مارد الذكاء الاصطناعي، وتُصوَّر فيه بكين كالمتمرد الأخير الذي تنتظر البشرية ضمه بصعوبة إلى منظومة قانونية لم تكتمل فصولها بعد، لكن خلف هذه الدراما الأميركية، هناك مغالطة أكثر تعقيداً وعمقاً؛ فالصين لم تصبح منذ سنوات ضمن مقاعد المتفرجين، حيث بدأت منذ عام 2022، في نسج شباكها التشريعية خطوة بخطوة؛ حيث فرملت أولاً جموح خوارزميات التوصية، ثم قننت المحتوى الاصطناعي، وصولاً إلى فرض أحكام مؤقتة طوقت بها الذكاء الاصطناعي التوليدي في عام 2023.
واليوم، ومع إسدال الستار على إطار حوكمة سلامة الذكاء الاصطناعي الصادر في سبتمبر 2026، أتمّ التنين الصيني بناء ترسانته السيادية؛ وهو يملك الآن نظاماً صارماً يراقب دورة حياة النماذج الرقمية من المهد إلى اللحد، يصنف مخاطرها بدقة، ويبسط يد الرقابة الحكومية مع صمام أمان جاهز للتدخل والفرملة في حالات الطوارئ القصوى.
في هذا السباق الرقمي المحموم، حان وقت الاعتراف بالحقيقة المدوية؛ وهي أن الصين نجحت في تطويق التنين الاصطناعي داخل حدودها، عبر ترسانة من الالتزامات الصارمة، والرقابة الحديدية، وإطار مرعب لتقييم المخاطر، لذا، عندما تجلس القوى العظمى على طاولة المفاوضات لرسم طموحات الحوكمة المستقبلية، عليهم أولاً الاعتراف بالواقع: ثَمّة دولة واحدة قد سبقت الجميع بالفعل واحتلت المستقبل القانوني للآلات.
هذا لا يعني بالطبع أن النموذج الصيني يمثل الترياق السحري أو قالبًا يمكن استنساخه بحذافيره؛ فلكل دولة تقاليدها التنظيمية وهويتها المؤسسية، لكن المفارقة الدرامية التي تستحق التأمل هنا، هي أن صمامات الأمان التي يصرخ قادة وادي السيليكون اليوم هلعاً لابتكارها، من تقييمات، ومساءلة، وتصنيف للمخاطر، ومعايير تقنية مسبقة، ليست أحلاماً بعيدة المنال، بل هي واقع حي، يعمل بكفاءة قصوى، ويحمل بالفعل ختماً صينياً.
في نهاية المطاف، ينكشف الستار عن الدرس الأعمق الذي يتجاوز مجرد المقارنة بين معسكرين مختلفين؛ إنه صراع متفجر حول ماهية المسؤولية في عصر الآلات الذكية، وهنا علينا أن نتذكر أن الشعار الهوليودي القديم لفيسبوك: «تحرك بسرعة واكسر الأشياء»، قد سقط سقوطاً مدوياً وتحطم على صخرة واقع لا يحتمل العبث؛ فهذه التكنولوجيا لم تعد لعبة بأيدي المطورين، بل قوة عاتية تمس العصب الحي للأمن والاقتصاد والحياة البشرية ككل، وعندما يصرخ صنّاع التكنولوجيا أنفسهم ذعراً من مخاطر كارثية وجودية، يُصبح غياب القانون هو الانتحار بعينه.
والواقع، أن المشهد ليس مجرد سباق لجمع البيانات والمعالجات، بل هو حرب ضروس يخوضها هوامير الصناعة لصياغة شيفرة القوة وقواعد اللعبة، ومن يستطيع نسج كوابحه التنظيمية مبكراً، ويوازن بذكاء بين جموح الابتكار وقبضة الرقابة، فسيكون هو القابض على زمام القيادة في اقتصاد الغد، وإذا كان التنين الصيني قد شيد ترسانته بالفعل، والعملاق الأمريكي ما زال يتخبط في مناقشة ما ينبغي أن يكون، فإننا في العالم العربي والإسلامي اليوم نقف أمام لحظة مصيرية فارقة في التاريخ: إما أن نساق غداً كأسرى لقواعد وقوانين يضعها الآخرون، وإما أن ننتزع مقعدنا على طاولة الكبار لنشارك في صياغة قواعد اللعبة، وهذا أمر لو تعلمون عظيم.










































