اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. فهد إبراهيم البكر
قد يظن غير المتخصصين أن البلاغة والنقد سيّان، وأنهما ميدان واحد من فروع اللغة. والحقّ أن ذلك الظن يتطلب شيئاً من التصحيح؛ ذلك أن المجالين مختلفان، وإن تشابها في الأرض التي ينطلقان منها، وهي أرض اللغة، فالبلاغة ذات أطر واضحة ومحددة، والنقد ذو معايير وآليات، وكلاهما يأخذ من الآخر، ويصبّ فيه، غير أنهما لا يكشفان بالضرورة عن علم واحد، أو تناسق فيما بينهما واتفاق، وإنما هما أمران مختلفان، ولولا ذلك الاختلاف ما قُرِن بعضهما بالآخر، وفُصِلَ عنه. وبذلك التغاير يتضح الفرق بينهما، فالبلاغة شيء، والنقد شيء آخر، كما أن البلاغيّ مختلف عن الناقد، فالبلاغيّ وظيفته البلاغة ذاتها، أي كشف حدودها، ووضع أركانها، ورسم تصوراتها، وذكر شواهدها وأمثلتها، أما الناقد فهو من يمارس النقد متكئاً على تلك الحدود، ومنطلقاً من تلك الأركان، وبانياً على تلك التصورات، ومطبّقاً على شواهدها وأمثلتها.
وقد أدّى هذا الالتقاء بين البلاغة والنقد إلى أن سعى بعض المشتغلين في هذا الحقل نحو توضيح مسارهما، فقال: «والنقد لا ينفصل أبداً عن البلاغة شقيقته الكبرى، فهو جزء منه بلاغة محدودة، وفي جزء آخر بلاغة موسّعة. لقد نبعا من أصل واحد، وسارا معًا شوطًا بعيدًا في المراحل الأولى من تاريخهما، ثم أخذ كل منهما بحكم وظيفته يشقّ لنفسه طريقاً خاصة، ويكتسب سماتٍ وصفات معينة انتهت بهما إلى الانفصال كعلمين مستقلين. ولكن هذا الانفصال والاستقلال لا يعني الانقطاع التام بينهما؛ لأن النقد كان ولا يزال يقوم في بنائه على أسس بلاغية. فإذا أدركنا ذلك كان من الضروري أن نفرّق بين النقد والبلاغة حتى لا يتداخل تاريخاهما أثناء عرضنا لتاريخ النقد الأدبي».
ويسترسل في محاولة التفريق بينهما: «فالبلاغة تغلب فيها الناحية الفنية، بمعنى أنها تُمِدّ المتعلّم بكل القواعد والعناصر البيانية التي تساعده على جودة التعبير عن أفكاره، أما النقد فيوضّح النظريات والأصول التي يقاس بها قيمة التعبير من الناحية الجمالية. والبلاغة تُعنى أكثر ما تُعنى بقوالب الكلام وصوره، فهي تفترض أن المعاني حاصلة في ذهن الكاتب، ثم تعلّمه كيف يصوغها ويخرجها في قوالب بليغة من الكلام. أما النقد فيتعلق بما وراء قوالب الكلام، وأشكاله، وصوره، إنه يتعلق بالعناصر الأساسية التي هي أدوات الناقد والتي بها يستطيع أن يقدّر العمل الأدبي، وبالتالي يحُكم له، أو عليه، بالحسن أو القبح. فإذا عُنِيت البلاغة بالنظم، وتأليف الكلام، وعناصر الأسلوب، فالنقد يُعنى بمصادر الأسلوب من فكر، وعاطفة، وخيال، وغير ذلك مما لا يمتّ إلى الشكل بصلة. كذلك يُعنى بمدى نجاح نظم الكلام وتأليفه في تأدية المعاني».
غير أنني لا أخفي عدم اقتناعي كثيراً بهذه الفوارق التي ذُكرت؛ ذلك أنها تتقاطع وتتلاقى فيما بينها؛ لهذا أرى أنه من الممكن تجلية الفارق بين البلاغة والنقد من خلال التشبيه، فالفرق بينهما كالفرق بين الطبّ والجراحة، فالطبّ هو العلم ذاته، الذي يهتم بتشخيص الأمراض، وعلاجها، والوقاية منها، والتعرّف على حالة المرض وأطواره، وما يحتاج إليه المريض من رعاية واهتمام، فالطب هو المجال النظري بتخصصاته، وتفرعاته، ونظرياته. أما الجراحة فهي الفرع الإجرائي له؛ أي أنها إجراء طبي يهدف إلى معالجة الأمراض، والأعراض، والإصابات، والمشكلات، من خلال التدخل اليدوي، واستخدام الأدوات، أو التقانات الحديثة التي لا تتحقق إلا بشق الجلد بالمبضع، والنفاذ إلى الجسد، وإصلاح الخلل. وهكذا يبدو لي الفارق بين البلاغة والنقد، فالأول علم نظري بذاته، والثاني إجراء تطبيقي يفيد منه.










































