اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٤ أب ٢٠٢٦
د. سعود المريشد
لم تعد كثرة المؤتمرات وما يصاحبها من صخب للفعاليات الوجاهية والمعارض الاستعراضية والتغطية الإعلامية المكثفة دليلًا كافياً على النجاح، فالمعيار الحقيقي لأي حدث معرفي أو حواري هو أثره الفعلي بعد انفضاض القاعة، وما يتركه من تغيير في السياسات وتطوير في الممارسات، أو إضافة في الوعي العام؛ فكثير من الملتقيات تكاد تكون نسخة مكررة من سابقاتها باحتوائها على عناوين براقة، وكلمات افتتاحية متشابهة، وضيوف يتنقلون من منصة إلى أخرى، دون أن تتكون هناك حصيلة معرفية أو نتائج فكرية تذكر، أو تبرر كل ما يبذل فيها من جهد وإنفاق؛ فحين يغيب التقييم الموضوعي وتقدم الصورة على المضمون، تصبح هذه المنتديات احتفالًا بالحدث ذاته وليس بما يمكن أن ينتج عنه.
واللافت اليوم هو دخول جهات حكومية عدة في سباق لتنظيم الفعاليات، حتى أنها باتت تزاحم الجامعات ومراكز الفكر والأبحاث في مجال يفترض أنه ميدانها وامتداد طبيعي لدورها العلمي؛ فالمنابر المعرفية تملك ما لا تملكه الوزارات والمؤسسات العامة من أدوات علمية، وأساتذة وباحثين قادرين على تحليل الإشكالات واقتراح الحلول بمنهجية محكمة؛ أما حين تنشغل الجهات التنفيذية بالفعاليات لمجرد الظهور أو تعزيز الحضور والانتشار «المؤسسي»، فإنها تبتعد عن أهدافها ومهامها ومسؤولياتها الحقيقية وتحول الحدث إلى ممارسة شكلية لا تتجاوز الكلمات الافتتاحية والتقارير والصور الختامية؛ والمشكلة ليست في تنظيم الفعاليات بحد ذاتها، بل في غياب فلسفة المعرفة والمنهجية العلمية، واستقطاب المشاركين الذين يسهمون في تحول النقاش إلى سياسات والمخرجات إلى إجراءات.
لذا يقترح التصحيح بإعادة التوازن بين الفكر والإدارة، بحيث تفسح هذه المساحة لحواضن الفكر لتقود الفعاليات والحوارات المتخصصة، فيما تكتفي الجهات الحكومية بدور الشريك والمستفيد؛ كما يجب أن يترافق تنظيم أي فعالية بخطة متابعة لقياس أثرها بعد التنفيذ، فالنجاح لا يقاس بما يحدث فوق المنصة بل بما يتحقق بعد انتهاء الفعالية؛ ويقتضي هذا التعديل أيضاً التحول من استقطاب وتصدير من يسمون بـ»المؤثرين» إلى استقطاب أهل العلم والمعرفة، فالمؤثر قد يملك منصة ولكن العالم يملك مضموناً، والمؤثر يجيد الحضور السطحي، ولكن المفكر يجيد التأثير الحقيقي؛ فأهل العلم يقدمون رؤى عميقة مبنية على تخصص ومنهج، ويفتحون آفاقاً للحلول المستدامة بدلاً مما يتركه المؤثرين من انطباعات هامشية، كما أن المتعلمين يصنعون حواراً نوعياً يثري العقل ويبني القدرات ويصنع الأجيال بدلاً مما يستهلكه المؤثر من وقت في بريق يدوم للحظات؛ ولهذا نقول إن الاستثمار في الفكرة أهم من الاستثمار في الصورة، لأن الأثر هو الباقي وأما المظهر فهو عابر، ومن يصنع المعرفة الفاعلة قادر على أن يصنع الصورة الأجمل تلقائياً، وهذا ما يحتاجه وطننا الغالي لبناء مستقبله على أسس من الفهم والإنتاج لا على مظاهر الانتشار والشهرة.










































