اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦
د. عبدالعزيز اليوسف
الشدائد مؤلمة، وما تتركه من خوف وخسائر لا يهون.. لكنها قد تعلمنا أن الهدوء نعمة تحتاج إلى انتباه، وأن الاستقرار يحتاج إلى عمل، وأن معرفة ما ينقصنا بداية لتحسينه.. فإذا واجهنا الأحداث بالإيمان والتعاون وحسن التقدير، خرجنا منها أكثر فهمًا لواقعنا، وأقدر على حماية وطننا، وأشد توازنًا أمام المتغيرات..
يقول الشاعر:
جزى الله الشدائد كل خير
وإن كانت تغصصني بريقي
وما شكري لها حمدا ولكن
عرفت بها عدوي من صديقي
قد يعيش الإنسان في رخاء وهدوء، فيطمئن إلى استقرار أيامه، ويظن أن الحروب والصراعات بعيدة عنه. ثم تتسارع الأحداث من حوله، فيشعر بالقلق، ويتابع ما يجري، ويعيد التفكير في أمنه ومستقبله. عندها يصبح ما كان يسمعه خبرا بعيدا تجربة توقظه، وتدفعه إلى فهم الواقع والاستعداد لما قد يتغير.
الأمن نعمة تستحق الشكر والحمد لله، ومن شكرها أن نحافظ عليها بالمسؤولية والانتباه. فالاعتياد على الهدوء قد يضعف الانتباه، ويجعل الإنسان يظن أن الاستقرار لا يتبدل. والأحداث من حول المملكة تذكرنا أن الأحوال تتغير، وأن الاستعداد لها ضرورة. ولا يعني ذلك أن نعيش في خوف، وإنما أن نفهم ما يجري بعقل هادئ، ونميز بين الحقيقة والشائعة، ونحافظ على طمأنينتنا من دون غفلة.
وتمنح الصراعات المواطن فرصة ليتأمل موقع بلاده وما يحيط بها. فيفهم أن حماية الوطن مسؤولية مشتركة، وأن الانتماء لا يقتصر على المشاعر والكلمات. يظهر الانتماء في احترام الأنظمة، والمحافظة على الممتلكات، ونقل الأخبار من مصادر موثوقة، والابتعاد عن كل ما يثير الاضطراب. كما يظهر في التكاتف، وتقدير جهود العاملين على أمن الوطن، والقيام بما يستطيع كل فرد من واجب.
وفي أوقات التوتر، تتضح المواقف وتنكشف بعض الحقائق. قد نعرف من يساندنا، ومن يتخذ موقفا معاديا، وقد نعيد النظر في علاقاتنا وخياراتنا. لكن فهم المواقف يحتاج إلى روية ودليل. فلا يصح أن يتحول الحذر إلى شك دائم، أو أن نعد كل اختلاف خصومة. فالمواطن المتبصر يلاحظ، ويسأل، ويتحقق، ثم يبني حكمه على الوقائع. وبذلك يحمي نفسه ومجتمعه من الانفعال والتسرع.
وتساعد هذه الأحداث المواطن على ترتيب أفكاره أمام الأخبار المتلاحقة. فلا ينتقل من خبر إلى آخر حتى تختلط الوقائع بالمخاوف، ولا يتخذ موقفا قبل أن يفهم ما حدث. يميز بين المعلومة المؤكدة والتوقع، وبين الخبر والتحليل، ويتأنى قبل أن يشارك ما قرأه. وبهذا يتلقى الأخبار بصورة معقولة، ويقدر حجم الحدث من دون تهوين أو مبالغة. فحسن التعامل مع المعلومات يحمي المجتمع من الشائعات، ويمنح الفرد قدرة أكبر على فهم واقعه.
كما تتعزز ثقة المواطن عندما يرى ما تقوم به بلاده من جهود، وما تبديه قواتها من شجاعة وكفاءة، وما تملكه من قدرات لحماية الوطن بعد فضل الله ومنته. فهذه الجهود تمنحه شعورا بالطمأنينة، وتعرفه بما يبذل لصون أمنه واستقرار مجتمعه. كما تجعله أكثر تقديرا لدور المؤسسات، وأشد تمسكا بوطنه، واستعدادا للمشاركة في حفظ تماسكه. والثقة المبنية على معرفة الحقائق والجهود تعينه على استقبال المستجدات بنفس أكثر ثباتا.
وتساعد الأزمات الوطن على مراجعة قدراته ومعرفة ما يحتاج إليه. فهي تكشف جوانب القوة، وتظهر ما ينبغي تطويره في مجالات الاستعداد والدفاع والسياسة والدبلوماسية وإدارة الموارد. ومن الدروس التي تتركها أن القوة لا تقوم على الإمكانات وحدها، وإنما تحتاج إلى حسن إدارتها، والتنسيق بين الجهات، وسرعة التعلم من التجارب. وكل معرفة تكتسب اليوم قد تجعل مواجهة الأزمات المقبلة أكثر كفاءة.
أما المواطن، فيستفيد من هذه الأحداث عندما يتعلم كيف يتعامل مع القلق، وكيف يختار ما يتابعه من أخبار، ومتى يبتعد عما يرهقه. واللياقة النفسية لا تعني غياب الخوف، وإنما القدرة على فهمه وضبطه. يستطيع المرء أن يحد من متابعة الأخبار المتكررة، وأن يستند إلى مصادر موثوقة، وأن يحافظ على روتينه وصلته بأسرته ومجتمعه. وإذا أثقلته المخاوف، فطلب الدعم من أهل الثقة يعينه على استعادة توازنه.
ويترسخ الولاء للوطن والقيادة عندما يرى المواطن أثر العمل المشترك، ويدرك أن أمن البلاد ومصلحتها مسؤولية الجميع. فالدعم لا يقتصر على المواقف الكبيرة؛ قد يكون كلمة مسؤولة، أو امتناعا عن نشر خبر مجهول، أو محافظة على مرفق عام، أو مساندة من يحتاج إلى العون. بهذه الأعمال يتجسد الانتماء في سلوك يومي، ويصبح الدفاع عن الوطن مشاركة تحفظ استقراره.
الشدائد مؤلمة، وما تتركه من خوف وخسائر لا يهون.. لكنها قد تعلمنا أن الهدوء نعمة تحتاج إلى انتباه، وأن الاستقرار يحتاج إلى عمل، وأن معرفة ما ينقصنا بداية لتحسينه. فإذا واجهنا الأحداث بالإيمان والتعاون وحسن التقدير، خرجنا منها أكثر فهما لواقعنا، وأقدر على حماية وطننا، وأشد توازنا أمام المتغيرات. ويبقى التوكل على الله، والعمل بما نستطيع، طريقا يجمع الطمأنينة بالاستعداد.. حمى الله المملكة من كل شر ومكيدة.










































