اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٦ أب ٢٠٢٦
الرياض - عذراء الحسيني
حين طلب منه محاورٌ صحفي قبل أكثر من عشرين عاماً أن يلتقط له صورة، أجاب بكلمة واحدة: «لا». لم تكن إجابة متعالية، بل عقيدة مهنية كاملة في حرفين، «صوري تتحدث عني، فلا حاجة لأن يرى أحد شكلي؛ سيكون ذلك تشتيتاً». عاش هومبرتو مارتنز دا سيلفيرا نحو اثنين وسبعين عاماً وفياً لتلك الجملة: أربعة عقود منها في السعودية، التقط خلالها عشرات الآلاف من الصور لبلادٍ كانت تتغير أسرع من قدرتها على تذكّر نفسها، ولم يكد يترك لنفسه صورة واحدة. ثم رحل هذا الشهر، فصلّى عليه الأمير سلطان بن سلمان في مسجد العذيبة بالدرعية، وقدّم سفير البرازيل باولو أوشوا ريبيرو فيليو العزاء، وعرف الناس عند القبر ما لم يعرفوه في حياته: أن الرجل كان قد أسلم منذ عام 2024، بصمتٍ يشبه صمته خلف الكاميرا. قبل أن تعرفه الصحراء، عرفته العواصم. جاب أميركا وأفريقيا وآسيا وأوروبا شاباً في سبعينات القرن الماضي، ثم درس التصوير في ريو دي جانيرو على يد روبرتو مايا، والتحق بمدرسة بارسونز في نيويورك، وعمل مساعداً لباري ماكينلي، مصوّر وجوه الساسة والنجوم في أميركا، وحمل عدسته إلى باريس حيث صوّر لمجلة «فوغ» الفرنسية. كان أمامه طريق معبّد إلى شهرة مصوّري الأزياء والأضواء. لكنه وصل إلى السعودية عام 1985 زائراً، فحدث ما لا يحدث لمصوري «فوغ» عادة، وقع في حب المكان الذي لا مكياج فيه ولا إضاءة مصطنعة، وبقي.
البدوي البرازيلي
بقي أربعين عاماً كاملة، حتى لقّبه مواطنوه البرازيليون «البدوي البرازيلي» لكثرة ترحاله في أرياف المملكة وبواديها. ومن ذلك الترحال ولدت مشاريعه الكبرى التي صارت اليوم أرشيفاً لا يعوَّض: «نجد» الذي وثّق فيه العمارة الطينية وقراها قبل أن تعيد الحداثة تشكيل المشهد، و«بدو» الذي سجّل حياة آخر بدو الجزيرة الحقيقيين، ورثةِ نمط عيشٍ استمر آلاف السنين وكان يتلاشى أمام عيني المصور نفسه. ثم «التوحيد» الذي تتبّع فيه مواقع تأسيس الدولة السعودية، مصوّراً الأماكن التي سبق أن رسمها الفنان جيرهاردت ليبمان، في معرض افتُتح بجدة عام 1999 وطاف بيروت وباريس قبل أن يستقر في الرياض. أما مشروعه الأطول نفساً فكان «هجر»: اثنان وعشرون عاماً متصلة يعود فيها إلى مدائن صالح، لا ليلتقط صورة معلم، بل ليبني سجلاً بصرياً لمكانٍ صار اليوم أيقونة السياحة السعودية وأول موقع سعودي في قائمة التراث العالمي. ولم يكن مصوّراً فحسب؛ كان مرمّم ذاكرة. حين شرعت أسرة الملك سعود في إعداد الكتاب المصوَّر عن حياته، كانت الصور مكسوة بالغبار في الأدراج، بعضها متآكل وبعضها باهت كادت تغيب معالمه، فتولّى دا سيلفيرا صيانتها بتقنية وُصف عمله فيها بأنه أشبه بالمعجزة. وحين كُشف قبل سنوات عن أقدم صورة للملك عبدالعزيز في الأرشيف الروسي، قال لصديقه المصور عادل القريشي كلمته التي تختصر عينه الخبيرة: «هذا هو عبدالعزيز الذي دخل الرياض واستعاد الدولة، هذا هو بلمعان عينيه وملامحه الصلبة الواثقة الشابة».
ذاكرة بصرية للأجيال
عرفته المؤسسات قبل أن يعرفه الجمهور. رافق الأمير سلطان بن سلمان في مسيرة توثيق التراث منذ عقود، وتوثّق صورة نادرة جولةً جمعتهما مع الملك تشارلز الثالث، حين كان أميراً لويلز، على آثار العلا في فبراير 2015، ودا سيلفيرا بينهما بكاميرته. وعُرضت أعماله ضمن معرض «طرق الجزيرة العربية» الذي جاب متاحف العالم منذ 2010 حاملاً تاريخ شبه الجزيرة، بدءاً من اللوفر. وفي 2002 قلّده الرئيس البرازيلي فرناندو إنريكه كاردوزو وسام «ريو برانكو» تقديراً لما قدّمه للعلاقات بين البلدين عبر التصوير وكتابَيه عن البدو ونجد. كان يتردد على مكتبة الملك عبدالعزيز العامة حتى ألِفه روّادها، وصدرت له كتب مصورة بينها كتاب جمع فيه صور المستكشفين الأوائل للجزيرة منذ عام 1910، ليقدّمه بوصفه «ذاكرة بصرية للأجيال القادمة». المفارقة أن بلاده التي كرّمته لم تكتب عنه حين رحل، وكتبت عنه البلاد التي صوّرها. وربما كان ذلك أصدق تكريم: فالرجل الذي جاء زائراً صار جزءاً من ذاكرة المكان بقدر ما صار المكان ذاكرته، حتى اختار أن يُدفن في ترابه مسلماً، على مرمى عدسة من الدرعية التي طالما وثّقت كاميرته حكايتها.
يبقى بعد الرحيل سؤال يطرحه هذا التقرير على المؤسسات الثقافية، وينتظر إجابته: أين يستقر أرشيف دا سيلفيرا الآن؟ عشرات آلاف الصور لنجدٍ التي لم تعد، وبدوٍ لم يبقَ نمط حياتهم، وحِجرٍ قبل الترميم، هي أمانة بحجم أربعين عاماً. لقد أمضى الرجل عمره يحفظ صورتنا؛ وأقلّ الوفاء أن نحفظ صوره.










































