اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦
د. سوسن العتيبي
يُعرف مصطلح «ما بعد الطبيعة» من حيث هو مركب لوضع اعتباطيّ بعد ترتيب كتب أرسطو؛ إذ الكتب التي تلت موضوعات الطبيعة سمّي تبـ «ما بعد الطبيعة»، وهي كتب تبحث في الصفات العامة للوجود، ومحاولة الوصول لنظرية عامة عن «طبيعة العالم»، أي «علم المبادئ»؛ بحثاً عن مبادئ التغيير، والوجود، والإمكان، والفعل... والتي يُعبّر عنها بـ «الأنطولوجيا» حيناً. ومن هذا المنطلق انطلق «أزڤلد كولبه» لإظهار تاريخ تجاذبات «ما بعد الطبيعية» حسب السياقات التاريخية التي نقلته من بحث في الأنطولوجيا لتحديد طبيعة العالم إلى مجرد تتميم لفهم الرؤى الكونيّة المفسّرة للعالم. فما بعد الطبيعة اتخذت دلالة أعمق على الوجود المحايث، أو الذي لا يُرى بالعين المجرّدة، أي «حقيقة الوجود»، إلا أنّ التحوّلات ميّزت هذه الدلالة بالتقابل التصنيفي بين حزمة علوم ما بعد الطبيعة مقابل حزمة «العلوم الجزئية»؛ التي تبحث عن ظواهر الوجود، لتخرج من هذه المقابلة نقلةٌ بين «حقائق الوجود» و»ظواهر الوجود»، ويوسم المعنى العام لما بعد الطبيعة بـ «معرفة واجب الوجود لذاته»، و»معرفة ما وراء عالم الظواهر». وبقيت هذه الممايزة سارية حتى اتخذت العلوم الجزئية مع بواكير الحداثة الغربية قيمة عليا، إذ ستتولّى أمر المرجعية الحاكمة بمشروعية ما يُبحث ويقصد حيناً. وفي تلك الأثناء خَطَت «ما بعد الطبيعة» خطوات تحوّل من مبحث يُقصد لذاته إلى مبحث يُوظّف لتتميم العلوم الجزئية، لإظهار رؤية تفسيرية كليّة؛ إذ العلوم الجزئية مفرّقة بين شعب المعارف، وعملها ليس بالعقل النظريّ وحده، بل مدفوعة بالوجدان والإرادة وغير ذلك، والحاجة تقتضي تركيب نتائج العلوم الجزئية في صور كليّة؛ لإشباع مطالب الحياة الإنسانية. وهذه الصور الكلية الجامعة هي مباحث «ما بعد الطبيعة»؛ وعلى هذا المنحنى سارت جلّ المذاهب الفلسفية مهما غرقت في ماديتها، لتصف العالم نظرياً بالكليات. ولقد اعترف كانط بأن «ما بعد الطبيعة» مبحث ملحّ لإشباع حاجة من حاجات العقل البشري، إذ لم ينفه أو يتجاهله، بل قبله بضوابط تُلزم بمعرفة حدود القوى الإدراكية. وهذا الإلحاح الإنساني يسوّغه النقص الذي لا تسدّه العلوم الجزئية، وبقاء النقص التفسيري لإيجاد حلول حياتية، لحاجة الناس للنظر في المطالب العملية للطبيعة الإنسانية، والشك في النظم التدبيرية الاجتماعية القائمة مع عدم كفاية العلوم الطبيعية لحلّها، وكذا الحاجة لإدراك النفس الإنسانية؛ كلها تظهر الحاجة لهذا المبحث. والبديل الذي قدّمه كانط لـ «ما بعد الطبيعة» جاء لنقلة من البرهانية الفلسفية واللاهوتية إلى الفرضية العلمية تجاه النظريات المؤكدة لرؤية كونية أنطولوجية ما -النظريات اللاهوتية والفلسفية- مشككاً في استدلالاتها البرهانية، عامداً إلى بديل هو «المبدأ المُنظّم»، وهو مبدأ افتراضي للبحث العلمي، يسهل عملية البحث، أي «مسلّمة مفترضة»، «فلا يحتم الأخذ بهذا المبدأ على الفيلسوف أن يجعل فكرة اللانهاية الميتافيزيقية جزءاً من نظريته العامة في طبيعة العالم». وعليه فالوصول لحقائق الأشياء لم يعد شيئاً ممكناً بل هو مبدأ منظّم لظواهر الأشياء التي تقود لافتراض حقائق الأشياء لتفسير طبيعة العالم. فانتقلت دلالة «ما بعد الطبيعة» من حقائق الأشياء -الشيء في ذاته- إلى المبدإ المنظّم لدى أتباع كانط خاصّة، وإن اختلفوا في تعيين هذا المبدأ.
ليؤول «ما بعد الطبيعة» -عند كولبه- إلى مسلكٍ بحثيّ في المعقولات الكلية لتفسير ما ندركه من الحقائق المأخوذة من التجارب، وتنحصر مهمته في «نظريّة عامّة للكون» في حدود التجارب؛ ومن هذه المهمّة يمكن أن يُسمى بـ «نظريّة المعرفة»، مع اختصاص «ما بعد الطبيعة» بزيادة البحث عن «طبيعة العالم»؛ ومن هذا التمييز بينهما يحلّ الخلاف مع النقديين واللاأدريين والواقعيين، الذين لا ينكرون «ما بعد الطبيعة» إلا بالمعنى الثاني وهو «نظرية عن طبيعة العالم»، لتصبح هذه الزيادة -نظرية طبيعة العالم- محكومة بأطر معرفية لكل مجال، وعاكسة لعلاقة العالم الواقعي بالعالم العقليّ.










































