اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٣ أيلول ٢٠٢٦
نايف مشهور
تشهد الملاعب السعودية في السنوات الأخيرة تحولا كبيرا لا يقتصر على تطوير المنشآت ورفع جودة المنافسات، بل يمتد إلى بناء منظومة رياضية جديدة تتكامل فيها الرياضة مع التقنية والابتكار وتجربة الجماهير.
وقد يكون من السهل أن نلاحظ هذا التحول عندما نتحدث عن الملاعب الجديدة، والمدرجات الحديثة، ومرافق التدريب، وجودة أرضيات اللعب، والاستعدادات الكبرى لاستضافة كأس العالم 2034. لكن هناك تحولا آخر يحدث بالتوازي، وربما لا يحظى بالقدر نفسه من التغطية الإعلامية والاهتمام الجماهيري: التحول التقني في الرياضة السعودية. ومع اقتراب المملكة من استضافة أكبر حدث رياضي عالمي، تبدو الصورة أكبر من مجرد تجهيز ملاعب لاستقبال المباريات. فالمملكة تعمل على بناء بنية تحتية رياضية قادرة على تقديم تجربة مختلفة للرياضي والجمهور والزائر، مستفيدة من التطور التقني المتسارع الذي تشهده البلاد.
ولعل أحد أبرز الأمثلة على ذلك ملعب أرامكو في الخبر، الذي يمثل نموذجا لما يمكن أن تكون عليه الملاعب السعودية الحديثة. فالملعب، الذي تصل سعته إلى نحو 47 ألف متفرج، سيكون أحد ملاعب كأس العالم 2034، كما سيستضيف منافسات كأس آسيا 2027. لكن الملعب في مفهومه الجديد لم يعد مجرد مدرجات وأرضية ومقاعد.
الملعب الحديث أصبح منصة تقنية متكاملة؛ تبدأ من طريقة دخول المشجع، مرورا بإدارة الحشود، والخدمات الرقمية، وتحسين تجربة الحضور، وصولا إلى أنظمة التشغيل والأمن والطاقة وتحليل البيانات. قبل أيام، كنت أتابع معرض «ليب» في الرياض، أحد أبرز الفعاليات التقنية في المنطقة، والذي تحول إلى مساحة ضخمة لاستعراض مستقبل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والابتكار. وما لفتني ليس فقط حجم المشاركة العالمية، وإنما الحضور المتزايد للرياضة داخل هذا المشهد التقني. وجود التجارب والتقنيات الرياضية في مثل هذه المنصات يؤكد أن الرياضة لم تعد قطاعا منفصلا عن التطور التقني، بل أصبحت إحدى أهم ساحات تطبيقه.
وهنا تكمن الفكرة التي ربما تحتاج إلى حضور إعلامي أكبر: المشروع الرياضي السعودي ليس مشروع ملاعب فقط، وإنما مشروع بنية تحتية وتجربة رقمية متكاملة. تخيل مستقبل المشجع الذي يدخل الملعب بهوية رقمية، ويحصل على خدماته بسهولة، ويتنقل داخل المنشأة بذكاء، ويتلقى المعلومات التي يحتاجها في الوقت المناسب، بينما تعمل أنظمة تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي خلف الكواليس على تحسين إدارة الحشود والتشغيل والأمن والخدمات. بل إن وزارة الرياضة استعرضت مؤخرا ضمن مشاركتها التقنية حلولا رقمية مرتبطة بتجربة المشجع، من بينها تطبيق «أهلا» الذي يستهدف توفير هوية رقمية موحدة للجماهير في البطولات والفعاليات الرياضية التي تستضيفها المملكة. وهذا يعكس اتجاها مهمام: التقنية لم تعد مجرد أداة مساعدة للرياضة، بل أصبحت جزءا من المنتج الرياضي نفسه.
وإذا كانت المملكة قد قطعت شوطا كبيرا في تطوير مستوى المنافسة الرياضية واستقطاب النجوم والبطولات، فإن الخطوة المقبلة يجب أن تكون في تحويل هذا التطور إلى تجربة رياضية متكاملة يكون فيها الابتكار جزءا من التفاصيل اليومية. لذلك، ربما لا يكون أهم ما سنشاهده في ملاعب كأس العالم 2034 هو ما يظهر أمام الكاميرات فقط، وإنما ما يحدث خلفها. قد لا يراه المشجع مباشرة، لكنه سيشعر بأثره. السعودية اليوم لا تبني ملاعب لاستضافة كأس العالم فقط. إنها تبني نموذجا جديدا للرياضة، حيث تلتقي المنشأة بالتقنية، والجمهور بالبيانات، والرياضة بالابتكار.
وربما يكون هذا هو الجانب الأقل ظهورا في الصورة الآن، لكنه قد يصبح أحد أكثر جوانب التجربة السعودية إثارة عندما يصل العالم إلى المملكة لمشاهدة كأس العالم 2034.










































