اخبار الاردن
موقع كل يوم -جو٢٤
نشر بتاريخ: ٦ شباط ٢٠٢٦
انقسام إسرائيلي… ومصير إقليمي..!!! #عاجل
كتب - زياد فرحان المجالي
الاستعراض الجوي الذي خرج من مصادر إسرائيلية، سواء كان في صورة قاذفة أمريكية ترافقها طائرات إسرائيلية أو في أي مشهد مشابه، لا يمكن فصله عن الأرضية النفسية داخل إسرائيل. فاستطلاع المعهد الإسرائيلي لدراسات الأمن القومي (INSS) في كانون الثاني/يناير 2026 كشف ملامح جمهور متوتر يتوقع التصعيد، لكنه لا يمنح تفويضًا مطلقًا للحرب. أغلبية واسعة، بلغت 62.5 بالمئة، تعتقد أن إسرائيل ستضطر لتجديد القتال ضد إيران خلال نصف سنة، لكن الجمهور منقسم تقريبًا بالتساوي حول الضربة الاستباقية الآن: 45 بالمئة يؤيدون، و43 بالمئة يعارضون. هذا الانقسام هو جوهر القصة: إسرائيل ليست كتلة واحدة خلف قرار الحرب، حتى لو بدت كذلك من الخارج.
هنا تظهر وظيفة 'الصقور”. فالصقورية ليست مجرد تيار سياسي، بل طريقة لإدارة الرأي العام: تضخيم التهديد، تسريع الإحساس بالخطر، ونقل الناس من سؤال 'هل نريد الحرب؟” إلى سؤال 'كيف نخوضها؟”. وهذا التحويل لا ينجح بلا أدوات نفسية وإعلامية. لذلك يصبح الاستعراض العسكري، في صورته المنشورة بعناية، جزءًا من معركة داخلية بقدر ما هو رسالة خارجية. فالذي يرى نصف المجتمع يميل إلى تأييد ضربة، ونصفه الآخر يرفضها، يدرك أن أقصر الطرق لجمع الصف هو رفع منسوب الشعور بأن الوقت ينفد.
اللافت أن القلق الداخلي في إسرائيل لا يقل حضورًا عن القلق الخارجي. نسبة ضخمة، تصل إلى 83 بالمئة، تقول إنها قلقة من التوترات الاجتماعية داخل المجتمع الإسرائيلي. هذه النسبة ليست تفصيلًا، بل علامة على مجتمع يشعر بأن جبهته الداخلية هشة، وأن الاستقطاب صار تهديدًا قائمًا بذاته. وعندما تتراجع الثقة الداخلية، تُستدعى الجبهة الخارجية كوسيلة لإعادة ترتيب الشرعية أو لتأجيل السؤال الأصعب: من يحكم؟ وكيف يحكم؟ وبأي ثقة؟
الاستطلاع يضيف طبقة أخرى مهمة: ثقة عالية بالمؤسسة العسكرية، وثقة منخفضة بالقيادة السياسية. 73 بالمئة يبدون ثقة عالية بالجيش، بينما الثقة بالحكومة متدنية عند أغلبية واضحة. هذه المفارقة تفسر لماذا تميل لغة الصقور إلى التحدث باسم 'الضرورة الأمنية” أكثر من حديثها باسم 'القرار السياسي”. حين تكون السياسة موضع شك، يتم رفع الجيش إلى مقام الضامن، ويصبح الاستعراض العسكري تعويضًا رمزيًا عن عجز الثقة السياسية.
ومع ذلك، فإن الانقسام حول الضربة الاستباقية يكشف حدودًا حقيقية داخل الرأي العام الإسرائيلي. فالجمهور، رغم توتره، لا يريد مقامرة مفتوحة بلا حساب. يتضح ذلك في موقفه من التدخل في الداخل الإيراني: ثلث الجمهور فقط يؤيد هذا الخيار، بينما الأغلبية تعارضه. بمعنى آخر، هناك حدود نفسية وأخلاقية وسياسية لا يريد قطاع واسع تجاوزها، حتى وهو يضع إيران في رأس سلّم المخاوف.
خارج إسرائيل، تبدو الصورة مختلفة. الرأي العام في المنطقة لا يُقاس باستطلاع واحد، لكنه يُقرأ من خلال المزاج العام في العواصم والمجتمعات. دول الجوار تدرك أن أي حرب واسعة بين الولايات المتحدة وإيران، أو بين إسرائيل وإيران، لن تبقى محصورة بين طرفين. الممرات البحرية، الطاقة، التجارة، واستقرار المدن، كلها ستدخل في دائرة الارتداد.
في الخليج، يميل المزاج العام إلى خفض التصعيد، لأن كلفة النار إذا اشتعلت ستكون على الجميع. وفي العراق ولبنان وسوريا، حيث المجتمعات مرهقة أصلًا، يصبح شعار 'تجنب الحرب” غريزة بقاء. وحتى في الأردن ومصر وتركيا، يبقى المزاج العام شديد الحساسية تجاه أي مغامرة قد تفتح موجة اضطراب جديدة.
أما روسيا والصين، فهما تقرآن المشهد بميزان المصالح. الاستقرار بالنسبة لهما أولوية اقتصادية وسياسية، ولذلك تميلان إلى مسار التفاوض وإدارة الأزمة بدل تفجيرها. ومن يفهم هذه المعادلة يدرك أن الحروب في منطقتنا ليست قرارًا محليًا فقط، بل نتيجة تفاعل بين دوافع داخلية وحسابات دولية.
من هنا تكتسب المباحثات الجارية في سلطنة عُمان أهميتها. عُمان تاريخيًا قناة تواصل حين تنقطع القنوات، ومساحة لخفض التوتر حين ترتفع الأصوات. وجود مسار تفاوضي، حتى لو كان هشًا، يضع سقفًا أمام اندفاع الصقور، لأنه يقدّم بديلًا سياسيًا يمكن الدفاع عنه أمام الرأي العام.
الصقورية في إسرائيل تبني فرضيتها على أن الحرب أقرب من السلام، وأن الردع لا يتحقق إلا بالقوة. أما الرأي العام في الإقليم فيميل إلى فرضية أخرى: أن الحرب ستوزع خسائرها على الجميع، وأن الردع الحقيقي هو منع الانفجار لا تعجيله. وبين هاتين الفرضيتين تتحرك المنطقة اليوم: تيار يريد تعظيم الخوف لتحويله إلى قرار، وتيار يريد تعظيم العقل لتحويله إلى فرصة.
يبقى السؤال المركزي: هل الاستعراضات العسكرية تعكس قوة فعلية أم قلقًا من فقدان السيطرة؟ الاستطلاع نفسه يوحي بأن المجتمع الإسرائيلي لا يعيش نشوة انتصار، بل حالة توتر مركبة: قلق من الخارج، احتقان من الداخل، وثقة أعلى بالجيش من السياسة. هذه ليست بيئة حرب مضمونة النتائج، بل بيئة أزمة تبحث عن مخرج.
نكتب بواقعية مدروسة: الحرب ليست مستحيلة، كما أن التفاوض ليس ضمانة. لكن الفرق بينهما جوهري. الحرب تُطلق سلسلة أحداث يصعب وقفها، بينما التفاوض يمنح فرصة لتأجيل الكارثة أو تقليصها. المنطقة لا تحتاج إلى صور تُصنع للتخويف ثم تتحول إلى واقع يلتهم البشر، بل إلى لغة باردة ومسار يضع كلفة الحرب أمام الجميع.
خلاصة الاستطلاع تقول ما لا يحب الصقور سماعه: الجمهور يخاف ويتوقع المواجهة، لكنه منقسم حول الضربة الآن، ويضع حدودًا للتدخل في إيران، ويعيش قلقًا داخليًا عميقًا. هذه ليست أرضية تفويض مطلق للحرب، بل أرضية يمكن أن تُستخدم في الاتجاهين.
وما يصنع الفرق في النهاية ليس صورة في السماء، بل قرار على الأرض:
هل نُسلم المنطقة لمنطق الرعب، أم نمنحها فرصة العقل عبر مسار سلطنة عُمان؟
ملحق مصدر
تقرير المعهد الإسرائيلي لدراسات الأمن القومي (INSS) – استطلاع الأمن القومي لشهر كانون الثاني 2026.












































