اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٤ أيلول ٢٠٢٦
د. عبدالعزيز اليوسف
الواقع الحالي لمراكز التقويم والتجميل يتطلب فرض نظام صارم يراجع طريقة تقرير الأسعار وحدودها العليا، ويرفع مستوى الرقابة على جودة الخدمات المقدمة ونظافة الأدوات المستخدمة وصحة الإجراءات المتبعة.. كما تبرز الحاجة الماسة إلى متابعة التأهيل المهني للأطباء وإتاحة الفرصة للكفاءات الوطنية، لضمان ألا تضيع سلامة الإنسان وصحته بين مطارق التسويق وسندان الربح المادي..
المعروف أن مهنة الطب لها وجاهة خاصة ورقي استثنائي؛ فالطبيب ليس مجرد ممارس لمهنة، بل هو مؤتمن على أرواح الناس وأجسادهم، يسعى لرفع المعاناة وتخفيف الآلام.
غير أن المشهد الراهن لم يعد ينبض بالروح ذاتها في كثير من الزوايا، إذ تسللت العقلية التجارية إلى أروقة هذا القطاع الإنساني، حتى بات يُخيل للمراجع أنه يتعامل مع أسواق ومزايدات تجارية لا علاقة لها بأخلاقيات الطب وسموه.
تتجلى هذه الظاهرة بوضوح في تجربة اجتماعية متكررة؛ حيث أخذ أحد الآباء ابنه واستشار أربعة من أطباء تقويم الأسنان، وهم الفئة التي بات بعض منتسبيها يستثنون أنفسهم ويرفعون مكانتهم عن مجرد طب الأسنان التقليدي. المفاجأة لم تكن في كثرة الاختصاصيين، بل في حجم التباين والتناقض الصارخ بين تشخيص وآخر لحالة الشخص ذاتها والتكاليف المقررة. والغريب أن محور الاهتمام الأول والركيزة الأساسية في جلسات المعاينة والكشف لم تكن التشخيص الطبي الدقيق لخطة العلاج وأبعاده المستقبلية، بل استعراض خيارات التقويم المتاحة وتكلفتها؛ من تقويم معدني إلى شفاف، أو سيراميكي، مرفقة بجدول للدفوعات المالية والتسهيلات البنكية.
هذا الموقف يضع العقل أمام علامات استفهام مؤرقة: كيف يُقيّم وضع المريض صحيا؟ وما المعيار الحقيقي لتحديد التكلفة؟ ولماذا تتفاوت الأسعار والتشخيصات من عيادة إلى أخرى بنفس المدينة ولنفس الحالة؟ هل بات بإمكان أخصائي تقويم الأسنان والمركز الطبي فرض الرسوم المالية كما يشاؤون، بمعزل عن وجود رقيب ينظم الممارسة، أو متابعة تقييمية تُخضع هذه الخدمات لسقف فني ورسمي محدد؟
ولا يقف هذا التشتت عند حدود تقويم الأسنان فحسب، بل يمتد ليشمل فضاءات أوسع في قطاع الرعاية الصحية والتجميلية. فمجالات مثل جراحات التجميل، وزراعة الشعر، والعلاج بالإبر الصينية، والحجامة، باتت تسير بأريحية تامة وتسعير عشوائي يثير الدهشة. ولا يمكن للمرء أن يمر بتلك العيادات دون أن يتساءل عن السر وراء التنافس المحموم في أساليب الديكورات الفارهة، والإضاءات المبهرجة، والمداخل الفخمة الممتدة على مساحات شاسعة. هل أصبحت هذه الفخامة ضرورة طبية لضمان سلامة المرضى، أم أنها مجرد شباك جشعة وأساليب تسويقية مدروسة لاستدراج الزبون والاستحواذ على ما في جيبه؟
إن انتشار هذه المراكز وتكاثرها المتسارع في الأحياء والشوارع الرئيسية بصورة فاقت أعداد المتاجر والبقالات الاستهلاكية، يبعث على القلق ويدعو إلى وقفة جادة ومراجعة شاملة. فالأمر لم يعد مجرد خدمة علاجية تقدم لمن يحتاجها، بل أصبح يمارس بأسلوب تجاري بحت يغيب عنه الحس الإنساني والمسؤولية الأخلاقية التي قامت عليها هذه المهنة النبيلة منذ القدم.
ومما يضاعف من مرارة المشهد أن هذه القطاعات المربحة تحولت إلى سوق مفتوحة تفيض بالأطباء والكوادر الوافدة، في وقت يواجه فيه الأطباء والمختصون من أبناء الوطن شحا ملحوظا في فرص التوظيف والتمكين داخل هذه المراكز الاستثمارية. يضاف إلى ذلك العبء المالي الباهظ والتكاليف الخزعبلية التي يجد الفرد نفسه مجبرا على دفعها مقابل خدمات أساسية أو تصحيحية، مما يطرح تساؤلا مؤلما: ماذا يفعل محدودو وميسورو الدخل أمام هذه الأسعار الرهيبة؟ كيف يستطيع أصحاب الإمكانيات البسيطة تحمل هذه الفواتير دون أن ترهق كاهل أسرهم أو تحرمهم من التداوي؟
هذا الواقع المأزوم دفع قطاعا واسعا من المراجعين إلى البحث عن حلول بديلة خارج الحدود، حيث ينشط ما يُعرف بالسياحة العلاجية والتجميلية إلى بلدان قريبة. هناك، يجد المستفيد أن أطباء تقويم الأسنان ومتخصصي التجميل وزراعة الشعر يقدمون نفس الخدمة وبجودة عالية، بينما يدفع المريض مبالغ لا تتجاوز عشر ما يُطلب منه هنا في المراكز المحلية. هذا الفارق الشاسع يعكس خللا صريحا في آليات التسعير المحلية ويستوجب إعادة النظر في منظومة الاستثمار الصحي برمتها.
من هذا المنطلق، تتجه تطلعات المجتمع وآماله نحو الجهات المسؤولة والمعنية بالرقابة الصحية؛ لتأخذ زمام المبادرة وتضع هذا القطاع تحت مجهر التقييم والمراجعة الدقيقة.
ويبقى القول: الواقع الحالي يتطلب فرض نظام صارم يراجع طريقة تقرير الأسعار وحدودها العليا، ويرفع مستوى الرقابة على جودة الخدمات المقدمة ونظافة الأدوات المستخدمة وصحة الإجراءات المتبعة. كما تبرز الحاجة الماسة إلى متابعة التأهيل المهني للأطباء وإتاحة الفرصة للكفاءات الوطنية، لضمان ألا تضيع سلامة الإنسان وصحته بين مطارق التسويق وسندان الربح المادي.










































