اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٤ أيلول ٢٠٢٦
د. هاني بن محمد أبوراس
تقوم الحماية البيئية في أصلها على صون الموارد الطبيعية وضمان استمرارها عبر الزمن، غير أن أثر هذا الدور لا يكتمل عند حدود ما يُحمى داخل النطاقات المخصصة للصون، بل يمتد إلى ما يتركه في نظرة المجتمع إلى الطبيعة وطريقة تعامله معها، فالموقع المحمي يستطيع أن يصون نظاماً بيئياً بكفاءة عالية، لكن امتداد أثر هذا الحفظ على المدى الأبعد يرتبط بانتقال معناه من نطاق الحماية إلى السلوك اليومي.
تختلف الأصول الطبيعية عن سائر ما تملكه الدولة في طريقة حفظها، فالأصل المنشأ يُعرف عمره الافتراضي منذ تصميمه، وتُبنى على ذلك خطة صيانته ومخصصاتها المالية، أما الأصل الطبيعي فيمتد بلا عمر مقدر ما دام محفوظاً، وينتهي بلا موعد معلوم إن أُهمل، وحفظه لا يُناط بجهة واحدة ولا يُشترى بمخصص مالي، لأنه موزع على سلوك ملايين لا يرتبطون به بعقد، ولهذا يصل أثر أدوات الإدارة التقليدية إلى ما يقع داخل النطاق ويمكن متابعته، أما ما وراء ذلك فيرتبط بما استقر في وعي الناس.
تؤدي المحميات، وفي مقدمتها المحميات الملكية، وظيفة متخصصة في حماية النظم الطبيعية والتنوع الحيوي ضمن أطر تقوم على المعرفة العلمية والانضباط التنظيمي والصون طويل المدى، وهذه الوظيفة تحفظ أصولاً طبيعية تبقى قيمتها لأجيال لاحقة. ومع ذلك، تظل طبيعة المحمية مرتبطة بنطاق جغرافي محدد، في حين تتشكل علاقة معظم الناس بالبيئة في أماكن أخرى أقرب إلى حياتهم اليومية.
في المقابل، تتيح الحدائق الحضرية الكبرى نوعاً مختلفاً من الأثر. وتقدم مشروعات بحجم حدائق الملك عبد الله العالمية، وحديقة الملك سلمان، وحديقة الأمير محمد بن سلمان نماذج لهذه الفضاءات التي تتصل فيها الطبيعة بالحياة اليومية للمدينة، فهي تضع الإنسان في تماس متكرر مع الطبيعة، وتجعل إدراك قيمتها ناتجاً عن تجربة يعيشها لا عن تعليمات يتلقاها، ومع تكرار هذه التجربة تنتقل الحماية من مفهوم يرتبط بمكان متخصص إلى معنى حاضر في تفاصيل الحياة، فتتكون علاقة بالبيئة لا تقوم على الامتثال وحده، بل على فهم قيمتها.
ومن اختلاف الدور بين المحميات والحدائق الحضرية الكبرى تنشأ مساحة للتكامل من دون خلط الاختصاصات أو نقل المسؤوليات، وتأتي قيمة هذا التكامل من التقاء الدورين في أثر واحد، بحيث يصبح ما يُحفظ في نطاق متخصص مفهوماً وحاضراً في المجال العام، فتكتسب الحماية امتداداً ثقافياً أبعد من حدود الموقع.
يتطلب هذا الامتداد النظر إلى المشروعات البيئية والحضرية من منظور أوسع من غاياتها المباشرة، فالحدائق الحضرية الكبرى تمنح المدينة أكثر من مساحة خضراء، بينما يمضي دور المحميات إلى ما هو أبعد من تحديد نطاق للصون، وكلما اتصلت التجربة اليومية بالمعنى البيئي الأوسع، قلّ الاعتماد على الضبط الخارجي، وصار جانب من السلوك نابعاً من قناعة تكونت بالتجربة.
الفارق بين الرقابة وقناعة الناس بقيمة البيئة يقع في نوع الأثر لا في أسلوب التنفيذ. فالأولى، على ضرورتها، لا تعمل إلا بحضور ميداني، وتستدعي زيادة في الأفراد والمعدات كلما اتسع النطاق، وتحتاج إلى بناء جديد عند كل تبديل فيمن يتولاها، أما الثانية فتؤدي دورها دون حاجة إليه، ولا ترتفع كلفتها مع توسع المساحة، ولا تعود إلى نقطة البداية بعد كل تغيير.
ثم إن الأثر الثقافي لا يُدار ما لم يدخل في القياس، فمؤشرات الحماية تتجه في جانب كبير منها إلى ما يتحقق داخل النطاق من صون والتزام ونتائج بيئية، وهي مؤشرات ضرورية لقياس الحماية في موضعها، لكنها لا تكشف بالقدر نفسه ما تتركه في الناس، وحين يُضاف إليها ما ينعكس في السلوك اليومي من ارتياد وتفاعل ومعرفة تنمو بالممارسة، يصير الامتداد الثقافي هدفاً يُتابع لا نتيجةً تُرجى.
ويضيف الزمن بعداً آخر إلى العلاقة بين الصون والوعي البيئي، فحماية المواقع الطبيعية تحفظ ما ينبغي أن يبقى للأجيال المقبلة، وبناء الثقافة البيئية يهيئ تلك الأجيال لفهم قيمة ما ورثته وكيفية التعامل معه. وحين يسير المساران معاً يصبح جزء من الاستدامة نابعاً من المجتمع نفسه، وهو أثر أكثر قدرة على البقاء من الامتثال المرتبط بالمكان وحده.
ومعيار النجاح في هذا كله لا يقف عند حجم ما يبقى من الطبيعة سليماً، وإنما يشمل نوع العلاقة التي تنشأ بين الإنسان وبيئته، فالمكان المحمي يصون الأصل، والتجربة اليومية تمنحه حضوراً في الوعي، وبينهما تتكون ثقافة تنقل أثر الصون إلى ما وراء حدود الموقع، والاستدامة الأكثر رسوخاً هي التي تورث الأجيال طبيعة سليمة، ومعها وعياً يدرك قيمتها ويعرف لماذا تستحق أن تبقى.










































