اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٣٠ أب ٢٠٢٦
د. بدر بن سعود
القانون الإسباني منذ 2006 نص على نقل العسكري عند بلوغه 45 عامًا إلى وظائف مكتبية وإدارية داخل وزارته، لحمايته وضمان استمراره في عمله، إلى أن يصل إلى 65 عامًا، ويستلم راتبه الأساسي كاملًا بعد التقاعد، والعشرون عامًا الإضافية تستهدف استفادته من العلاوات السنوية التي ترفع من إجمالي الراتب عند التقاعد.. وهذا يخص كل العسكريين بلا استثناءات..
المشرع السعودي عندما صاغ أنظمة التقاعد العسكري في المملكة، أواخر الخمسينات الميلادية، لم يكن متوسط أعمار السعوديين يتجاوز 46 عاماً، استنادا الى قاعدة بيانات التوقعات السكانية العالمية للأمم المتحدة، خلال الفترة ما بين 1955 و1960، وبالتالي فقد كان منطقيا وطبيعاً، ان ينظر الى سن 44 عاما، كمعيار لنهاية الخدمة في بداية السلم العسكري، لرتبتي جندي وجندي أول، وملازم وملازم أول، ولكن الأمور تغيرت في الوقت الحالي، فقد اشارت ارقام برنامج تحول القطاع الصحي السعودي، المنشورة في 2026، الى ان متوسط العمر المتوقع للمواطنين ارتفع الى 79,9 عاماً، نتيجة لتحسن الخدمات الطبية، ونجاحها في خفض ضحايا الأمراض المزمنة بنسبة 40%، وفي تقليص وفيات حوادث الطرق بنسبة 30%.
هذا التحول الديموغرافي في متوسط الأعمار، يشير الى أن العسكري في هذه الأيام، لايزال في سن القدرة على العمل بعد الخمسين، وما سبق يستدعي مراجعة لنظام التقاعد العسكري المعدل في 2015، والذي نص على رفع السن التقاعدية للأفراد بمقدار أربعة اعوام كاملة، والتطابق في السن التقاعدي، موجود في رتبتي رقيب أول ورئيس رقباء وعقيد وعميد، الا انه في ذات الوقت، يزيد عند الافراد حتى رتبة وكيل رقيب، والاخيرة يقابلها رتبة رائد، والفارق يتراوح ما بين عامين الى اربعة اعوام لصالح الافراد، والأنسب رفع السن التقاعدي، وتحديدا لرتب الضباط من ملازم الى رائد، وبما يجعلها متوافقة مع رتب الافراد في السلم المقابل، لان المشرع لم يفرق بين الافراد وصغار الضباط في التقاعد قبل التعديل.
أعتقد ان عدم رفع سن التقاعد للرتب الميدانية من ملازم الى رائد، موجه في الأصل لمن يشغلون رتبة رئيس رقباء من الأفراد، وبالاخص من حصلوا على مؤهلات جامعية، لأن لديهم اولوية في الترقية، وزيادة اربعة اعوام في الرتب السابقة، والمعنى انهم يستطيعون الوصول لرتبة رائد على أقل تقدير، بينما الاستمرار على النظام القديم، يقطع الطريق عليهم ويبقيهم في سلم الأفراد، بالاضافة الى ان وصول العسكري لسن الخمسين لايعني بالضرورة تراجع كفاءته، لأن النظام، من حيث المبدأ، لايمانع في الإبقاء على رؤساء الرقباء والضباط القادة، لمدد تتراوح بين 54 و58 عاماً، وفي حالة الافراد الجامعيين، فإن دخولهم لسلم الضباط الميدانيين، بالنظر لما لديهم من خبرات متراكمة، يمثل مكسبا كبيراً لجهات عملهم.
التقاعد بشكليه الاختياري أو الإجباري قد يترتب عليه تحديات اقتصادية صعبة، ترتبط بالاستقرار المعيشي لعوائل العسكريين، لأنهم وبمجرد إحالتهم الى التقاعد يفقدون ما بين 35% و55% من رواتبهم عندما كانوا على رأس العمل، نتيجة لإسقاط البدلات التشغيلية والميدانية، وهذا التراجع المالي المربك قد لايواكب التزاماتهم الحياتية، في مرحلة ما قبل التقاعد، ويدخلهم في دوامة من الديون، وربما أجبرهم على الاقتراض من البنوك، وتزدا المشكلة تعقيدا عندما يتحول المتقاعد من طاقة منتجة، حصلت على تأهيل عالي الكلفة في الكليات والمعاهد، الى عبء مالي يستهلك مخزون الصناديق التقاعدية، ولمدة طويلة، دون ان تتم الاستفادة منه بتفعيل برامج التحول والتدوير المهني، رغم ما اكدته دراسة نشرها في 2022 معهد هارفارد لابحاث الصحة العامة، وتم فيها اختبار كفاءة الأداء وعلاقتها بالتقدم في السن، وقد انتهت لأدلة مخبرية واقتصادية، تفيد ان قدرة الاشخاص على التفكير والتركير، وعلى حل المشكلات المعقدة والتعامل مع الطوارئ وضغوط العمل، تصل الى ذروتها الكاملة ما بين سن 45 و65 عاما، ما يؤكد علميا جدوى الابقاء على هذه الكوادر في الخدمة.
زيادة على ذلك تكشف المقارنات الدولية عن استقرار تشريعي فيما يتعلق بتقاعد العسكريين، ومن الامثلة، ما فرضه القانون الفيدرالي الاميركي عن طريق قانون التفضيل العسكري لعام 1944، وتحديدا في مادته: 2108، ووضعه أولويات حتمية للمتقاعدين العسكريين في قوائم التوظيف الحكومي، وفي بريطانيا تدير وزارة الدفاع منذ 1998 ما يعرف بشراكة الانتقال المهني، والتي تبدأ بتأهيل وتدوير الكوادر قبل عامين من التقاعد، وقد حققت معدل توظيف للمتقاعدين العسكريين، في الاعمال المدنية، وصل في العام المالي 2024 - 2025 الى ما نسبته 86%، وفي آسيا يقوم مركز: كاريير ترانزيشن ريسورس سينتر السنغافوري، اعتبار من 2025، بتأهيلهم في برنامج اختصاره: ليب، وهو يعطيهم اجازة رسمية براتب كامل، قبل التقاعد بستة أشهر، وذلك ليتدربوا على حسابه، في ادارة المستودعات والشحن، وفي الأمن الصناعي وادارة المشاريع، ما ساعد 80% من هؤلاء على ايجاد وظائف جديدة بشكل سريع، في حين نص القانون الاسباني منذ 2006 على نقل العسكري عند بلوغه سن 45 عاما الى وظائف مكتبية وإدارية داخل وزارته، لحمايته وضمان استمراره في عمله، الى ان يصل الى سن 65 عاما، ويستلم راتبه الأساسي كاملا بعد التقاعد، والعشرون عاما الاضافية تستهدف استفادته من العلاوات السنوية التي ترفع من اجمالي الراتب عند التقاعد، وما قيل يخص كل العسكريين بلا استثناءات، وأرفع القبعة للاسبان احتراما لقانونهم العادل.
التشريعات السعودية لاتمنع المتقاعدين العسكرين من العمل، ونظام التقاعد العسكري سمح للمتقاعد في مادته: 25، ان يعمل في القطاع الخاص بكل حرية، وأعطاه الحق في الجمع بين راتبه التقاعدى والراتب الجديد في الشركات والمؤسسات الخاصة، دون شروط او استقطاع، وفي رأيي، الحل يكون على ثلاثة مسارت، الأول: رفع السن التقاعدي للضابط من ملازم الى رائد، ليتوافق مع الافراد، وتوفير حماية للأفراد الجامعيين، تضمن لهم الترقيات الآمنة، والانتقال لسلم الضباط حتى رتبة رائد، والثاني: إلغاء سقف السن التقاعدي الإجباري في الرتبة وإيقاف الترقيات لرتبتي رقيب أول ورئيس رقباء للأفراد، ورتبتي عقيد وعميد للضباط، ممن تجاوزوا الخمسين عاما، ونقلهم الى الاعمال المكتبية والادارية، وبأسلوب يشبه التجربة الاسبانية، اذا كانوا بصحة جيدة، وإبقائهم في الخدمة الى سن 65 عاماً، اسوة بالمدنيين، للاستفادة من الرواتب والعلاوات السنوية، وبما يدعم راتبهم التقاعدي الاساسي، والثالث: الأخذ بنموذج عمل وزارة الدفاع السعودية، من قبل الكيانات ذات الطبيعة الامنية أو العسكرية، فقد أطلقت برنامجاً ملهماً للتحول المهني في ديسمبر 2025، لتهيئة وتمكين منسوبيها من الانتقال المرن الى الوظائف المدنية، ووقعت فعلياً اتفاقات رسمية مع كيانات وطنية، تضمن توظيفهم المباشر بعد التقاعد.










































