اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٣ أيلول ٢٠٢٦
د. بدر بن سعود
إحساس الشخص أنه مراقب في حركاته وسكناته، من قبل برمجيات صامتة، لا تحمل مشاعر إنسانية تتفهم ظروفه، يجرده من شغفه المهني، ومن ولائه المؤسسي، ويحوّل أماكن العمل إلى بيئات جافة يسيطر عليها الخوف من الاستغناء المفاجئ، وبما يجعل يوتوبيا الوفرة المتوهمة أقرب إلى الضريبة النفسية مرتفعة الكلفة، والتي ليس فيها احترام لكرامة الإنسان..
نشرت مجلة الإيكونوميست مقابلة في أواخر يوليو 2026 مع الملياردير الأميركي إيلون ماسك، قال فيها إن الذكاء الاصطناعي سيتفوق على أذكى العقول البشرية، وسيكون ذلك في 2036، وهو ما سيؤدي الى حالة من الوفرة، لايحتاج معها البشر الى العمل أو النقود، وهذه النبوءة تعيد إنتاج الأوهام القديمة، التي توقعها البلاشفة والاشتراكيون خلال ثورة 1917، حول إمكانية قيام مجتمع بلا أموال، بالإضافة الى انها تتقاطع مع توقعات المفكر البريطاني جون ماينارد كينز، في عام 1930، عندما قال ان أحفاده سيعملون 15 ساعة في الأسبوع، لأن الآلات ستنوب عنهم في أعمال كثيرة، الا أن الواقع الحالي يثبت العكس، والدليل أرقام منظمة العمل الدولية لعام 2023، فقد أشارت لاستقرار متوسط العمل العالمي، فوق حاجز الـ40 ساعة عمل في الأسبوع، ما يؤكد ان الآلة لم تقم بإلغاء دور الإنسان، وإنما زادت من اعتمادها عليه بشكل أكبر، وماسك لم يوفق فيما قاله، وتحديدا في مسألة استغناء الناس عن المال، واالفكرة غير منطقية من الأساس، وتفترض قيام الدول بأدوار مؤسسات الضمان أو التكافل الاجتماعي، وتحيل سكانها لمجرد أشخاص معالين ينتظرون معوناتها الشهرية، والعجيب انه لم يفكر في أشياء لا تقل أهمية، وأبرزها: رواتب الناس وترقياتها وهل ستكون متفاوتة، أم انها ستعود بالمجتمع الإنساني الى مشهد بطاقات التموين السوفيتية: التالونات، ومجتمعها الذي يكرس نفسه لخدمة الدولة، وهل سيصبح هناك أغنياء مثله، وكيف ستدار الأمور داخل كل بلد، وأين سيذهب السفراء والوزراء ورؤساء الحكومات، ومن سيمثل الدول في الكيانات الدولية، الذكاء الاصطناعي أم الآدميون؟
الكلام السابق يحاول تفكيك المعادلة الاقتصادية والاجتماعية المتعارف عليها، والتي تقوم على قاعدة الأجر مقابل العمل، وعلى سبيل المثال، في الاقتصادات الغربية وبالأخص في أميركا وألمانيا، يتم التلويح بزيادة الاعتماد على الأتمتة، حتى لا يطالب الموظفون والعمال برفع أجورهم، واستنادا لتقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، في يوليو 2023، فإن 27% من الوظائف مهددة بدخول الروبوتات الذكية إليها.. وفي تقرير آخر أصدره معهد ماكينزي العالمي، في نوفمبر 2025، لوحظ ان تقنيات الذكاء الاصطناعي الجديدة يمكنها الاستحواذ على 57% من ساعات العمل البشري، وهذا التحول يعني ان القيمة التشغيلية لا ترتبط بالأداء الفعلي وسنوات الخدمة، ولكن بإنتاجية الخوازميات، ما يؤسس لبيئة عمل تؤثر سلبا في الإحساس بالأمان الوظيفي، ولا توفر بدائل نظامية للموظفين، تحميهم من محاولات استبدالهم بالبرمجيات، دون سابق إنذار، ولمصلحة ملاك التقنية.
تفويض الأنظمة الخوازمية المغلقة بإدارة المنشآت وتوجيه الأوامر، فيه خطورة عالية، لأن المسؤول لايتنازل عن سلطته وحدها، وإنما يقوم بالدمج بين نفوذه الشخصي وسلطة الآلة، لشرعنة قرارات تسريح العاملين بعيداً عن أعين أجهزة التفتيش والمحاسبة الإدارية، ما يحول القيادة من مسؤولية عامة محكومة بالمساءلة الإدارية، الى سلطة مطلقة ومقفلة تماما، تديرها برمجيات بلا وعي، وبلا فهم للأبعاد الإنسانية المترتبة على قراراتها، وما سبق قامت به شركة أمازون في أبريل 2019، عندما فوضت الخوازميات بصلاحيات كاملة، مكنتها من فصل 300 موظف في منشأة واحدة، وخلال مدة لم تتجاوز العام، وهو ما جعل ولاية كاليفورنيا الأميركية تتدخل تشريعيا، لحظر هذا النوع من الفرز الآلي دون مراجعة بشرية.
المملكة واستنادا لرؤية 2030، تعتبر قوة عالمية في هذا المجال، وقد اعتمدت تسمية العام الحالي عام الذكاء الاصطناعي، وما يحدث يفرض عليها مراجعة أولوياتها، والموازنة ما بين الأتمتة ومستهدفات التوطين، حتى لا يفقد السعوديون أعمالهم لصالح ملاك التقنية.. وبالمناسبة الفرز الإقصائي يعود تاريخه الى القرن السابع قبل الميلاد، في أيام ذروة التنظيم الإداري للدولة الاسبرطية، حين فرض المشرع ليكوغوس، نظام الموائد الجماعية الإجباري، المعروف بـ»السيسيتيا»، وقام بتعديل الأنظمة لتجريد الأشخاص من استقلالهم المالي، واستبداله بحصص إعاشة تموينية مقننة، وبطريقة تحول المجتمع الى كتل بشرية، تعتمد في إدارة حياتها على شروظ وأوامر المتنفذين، ولدرجة ان كل مواطن كان يجبر على دفع مخصصات شهرية ثابتة، تحتوى على الدقيق والمشروبات والجبن والتين، ومن يعجز عن السداد بسبب الفقر، يتم إسقاط حقوق المواطنة عنه، وما قيل يشير الى ان خوازميات الفرز وأدوات الأتمتة الحالية ليست الا إعادة إنتاج لنفس الأساليب القديمة التي تنتصر للوائح التنظيمية الجافة، ولو قادتها الى حرمان الشخص من حقوقه الأساسية.
دخول الخوازميات في إدارة بيئة العمل المعاصرة يؤسس لديستوبيا، تعرف باسم ضغوط الإدارة الخوارزمية، وقد ناقشتها دراسة نشرتها مجلة ساينس دايركت في 2024، وانتهت الى ان إخضاع الكوادر البشرية لرقابة الآلة وتقييمها المتواصل يؤدي الى التأثير على سلامها النفسي، ويشعرها بالتوتر وعدم الرضا الوظيفي، لأن إحساس الشخص أنه مراقب في حركاته وسكناته، من قبل برمجيات صامتة، لا تحمل مشاعر إنسانية تتفهم ظروفه، يجرده من شغفه المهني، ومن ولائه المؤسسي، ويحول أماكن العمل الى بيئات جافة، يسيطر عليها الخوف من الاستغناء المفاجئ، وبما يجعل يوتوبيا الوفرة المتوهمة أقرب الى الضريبة النفسية مرتفعة الكلفة، والتي ليس فيها احترام لكرامة الإنسان.
مواجهة هذا التغول الخوازمي وتأمين الحضور البشري، يتطلب حسما نظاميا، وبصورة تتجاوز دائرة الوعود والعبارات التسكينية، وتضع لوائح وتشريعات تقنية، تمنع تفويض الآلة سلطة اتخاذ قرارات الفصل، او تجميد الأجور بشكل آلي وتلقائي، وتفرض وجود قنوات مراجعة بشرية مستقلة تخضع لأجهزة الرقابة الإدارية الرسمية، مع إقرار أنظمة مرنة تضمن الأمان الوظيفي للموظفين والعاملين، وتجبر المنشآت على ربط معايير التقييم بالإنتاجية الفعلية وسنوات الخبرة، حتى يبقى الإنسان هو السيد والموجه والمستفيد الأول من البرمجيات والمنظومات الرقمية، ولا يتحول الى ضحية أو عالة داخل بيئته المهنية وفي مجتمعه.










































