اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٧ أب ٢٠٢٦
سعيد المبارك
حين يصل التوطين إلى مهن إدارة المشاريع، فإن المسألة لم تعد مرتبطة بمن يشغل الوظيفة فحسب، بل بمن يملك القدرة على قيادة المشروع وصناعة قراراته وإدارة مخاطره وتحويل موارده إلى نتائج.
ومن هنا تكتسب النسبة الجديدة أهمية تتجاوز رقمًا يضاف إلى مسيرة التوطين، لتلامس مستقبل الخبرة الوطنية في اقتصاد تتسارع فيه المشاريع.
يأتي القرار الجديد برفع توطين مهن إدارة المشاريع إلى 70% في توقيت بالغ الأهمية، فالمملكة تشهد توسعًا متسارعًا في حجم المشاريع وتنوعها، وتحتاج بالتوازي مع هذا الحراك إلى بناء قاعدة وطنية من الكفاءات القادرة على إدارة هذه المشاريع بكفاءة واقتدار.
وهنا تتجاوز دلالة القرار حدود النسبة المستهدفة، لتلامس سؤالًا أكبر: من يقود المشاريع السعودية؟ ومن يمتلك الخبرة والمعرفة التي ستبقى بعد اكتمالها؟.
والمملكة اليوم اقتصادٌ تقوده المشاريع؛ من البنية التحتية والإسكان والنقل، إلى الطاقة والمياه والبيئة والسياحة، فضلًا عن مشاريع القطاع الخاص، وكل هذا الحراك يحتاج إلى كوادر وطنية تمتلك القدرة على التخطيط والإدارة والمتابعة واتخاذ القرار.
لذلك، فإن توطين إدارة المشاريع لا يعني شغل الوظائف بالكفاءات الوطنية فحسب، بل يعني بناء خبرات سعودية قادرة على قيادة المشاريع وإدارتها بكفاءة، وتحويل أهدافها إلى نتائج ملموسة.
وتأتي أهمية القرار في وقت يشهد فيه سوق العمل السعودي تحولات كبيرة، فقد بلغ عدد السعوديين العاملين في القطاع الخاص 2.62 مليون سعودي، فيما انخفض معدل البطالة بين السعوديين إلى 6.4% في الربع الأول من عام 2026. وهي مؤشرات تعكس اتساع حضور المواطن، وتدفع المرحلة المقبلة نحو التركيز بصورة أكبر على نوعية الوظائف ومستوى المهارات والمسؤوليات.
لكن التوطين الحقيقي لا ينبغي أن يقاس بنسبة الوظائف التي أصبحت بأسماء سعودية، بل بما تضيفه تلك الوظائف إلى رأس المال البشري. فمدير المشروع السعودي الذي يكتسب الخبرة في مشروع اليوم، قد يصبح غدًا قائدًا لبرنامج أو محفظة مشاريع أكبر، حاملاً معه معرفة بالسوق والموردين وإدارة الفرق والمخاطر والميزانيات.
ومن هنا، فإن نجاح القرار يتطلب أن تسير نسب التوطين بالتوازي مع التدريب المتخصص، والشهادات المهنية، وبرامج الخريجين، ونقل المعرفة، وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق المشاريع. كما يمثل المجال فرصة مهمة أمام الكفاءات النسائية السعودية للمشاركة في التخطيط وإدارة البرامج والجودة والمخاطر.
والأثر لا يتوقف عند الموظف، فوجود كوادر سعودية مؤهلة في إدارة المشاريع يعزز قدرة شركات المقاولات والاستشارات والخدمات الهندسية والتقنية على النمو والمنافسة، وبناء خبراتها الداخلية، والدخول في مشاريع أكبر.
وهنا يصبح السؤال الأهم: ماذا نريد من التوطين؟ في تقديري، نريد توطينًا يصنع قيادات، لا توطينًا يحقق نسبة فقط.
فالمملكة لا تحتاج فقط إلى سعوديين يعملون في المشاريع، بل إلى سعوديين يديرونها، ويقودون فرقها، ويتخذون قراراتها، ويديرون مخاطرها.
نطمح إلى جيل من مديري المشاريع السعوديين الذين تتحدث عنهم مشاريعهم ونجاحاتهم.
فالغاية النهائية من التوطين ليست أن يحمل السعودي مسمى وظيفيًا فحسب، وإنما أن يمتلك الخبرة التي تجعله قادرًا على قيادة المشروع وصناعة الأثر، وبناء مشروع جديد من خبرة مشروع انتهى.
وكلما اتسعت هذه الخبرات، أصبحت المملكة أكثر قدرة على بناء قيادات وطنية تنافس عالميًا، وتدير مشاريعها بكفاءة واستدامة مستقبلًا.
وهنا يتحول رقم 70% من نسبة في قرار إلى قيمة في الاقتصاد.










































