اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٣ أيلول ٢٠٢٦
عبدالرحمن السلطان
لم يعد الوصول إلى المعلومة هو التحدي الأكبر في القطاع الصحي؛ فنحن نعيش في زمن تدفِّق المعلومات الطبية بصورة لم تعرفها البشرية من قبل، آلاف الدراسات تنشر، وملايين الصفحات متاحة بضغطة زر، والمؤسسات الصحية تمتلك من البيانات والإحصاءات ما لم تكن تمتلكه قبل عقود معدودة، لكن وفرة المعلومات لم تؤدِ إلى مجتمع أكثر معرفة، بل ربما صّعبت وعقّدت الوصول إلى الحقيقة.
أعتقد أن مشكلتنا -اليوم- ليست في نقص المعلومات بقدر ما هي في الفجوة بين امتلاك المعلومة والقدرة على تحويلها إلى معنى يفهمه الناس، ويثقون به ويتصرفون بناءً عليه، فالقطاع الصحي من أكثر القطاعات إنتاجًا للمعرفة، لكن الجمهور لا يعيش داخل الأوراق العلمية، ولا يتخذ قراراته بناءً على لغة الباحثين والمختصين وحدها، فالإنسان العادي يريد إجابات بسيطة مباشرة عن أسئلته: ماذا يعني هذا بالنسبة لي؟ هل هناك خطر؟ ماذا أفعل؟ ومن أصدق؟ وهنا يأتي الفرق بين أن 'تُعلِم' الجمهور المستهدف وأن 'تتواصل' معهم.
قد تنشر المؤسسة الصحية عشرات الرسائل التوعوية الصحيحة علميًا، لكنها لا تحقق أثرًا إذا كانت معقدة، أو متأخرة، أو بعيدة عن أسئلة الجمهور الحقيقية، بينما قد يستطيع مقطع قصير لفرد غير متخصص أن ينافس منظمة تمتلك آلاف الخبراء، ليس لأنه أكثر علمًا منها، وإنما لأنه استطاع أن يصل إلى الناس بلغتهم، وأن يقدم لهم روايةً سهلة الفهم والتداول.
وقد رأينا ذلك بوضوح خلال جائحة كورونا؛ فالمعرفة العلمية حول الفيروس كانت تتطور باستمرار، وبالتالي كانت بعض التوصيات تتغير، ولم يكن التحدي أمام المؤسسات الصحية العالمية أن تصل المعلومة الصحيحة فقط، بل أن تشرح للجمهور لماذا تغيّرت هذه المعلومة، ولماذا تغيّرت التوصيات، وألا يُفسر هذا التطور الطبيعي في المعرفة العلمية باعتباره تناقضًا أو فقدانًا للمصداقية!
والحقيقة أن أهم أصول التواصل الصحي هي 'الثقة'، التي لا تبنى فقط أثناء التعامل مع الأزمة الصحية، لأن الأزمة في الحقيقة تكشف رصيد الثقة الذي رسخته المؤسسة الصحية قبل وقوعها، ولهذا فإن أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه مؤسسة صحية هو أن تتذكر التواصل عندما تقع المشكلة، وهناك قاعدة مهمة في تواصل المخاطر أؤمن بها وأعمل بها دومًا: ألا أنتظر اكتمال الصورة والمعلومات حتى نتحدث ونتواصل مع الجمهور المتعطش، بل قل ما تعرفه، ووضّح ما لا تعرفه، وأخبر الجمهور متى ستعود إليه بالمعلومة الجديدة، ذلك أن الفراغ المعلوماتي لا يبقى فارغًا، فإذا لم تملأه المؤسسة بالمعلومة، ملأته الشائعات والتفسيرات البديلة!
الشفافية هنا لا تعني أن تنشر المؤسسة كل شيء، وإنما تعني ألا يشعر الجمهور أنها تخفي عنه ما يحتاج إلى معرفته، لأن شفافية المعلومات الصحية قيمة معنوية مهمة وأصل استراتيجي له نتائج صحية ملموسة، فالإنسان عندما يثق بالمصدر قد يلتزم بالدواء، ويأخذ اللقاح، أو يتبع الإرشادات الوقائية، وعندما يفقد الثقة، فلن تنفع معه كثرة الرسائل ولا ضخامتها أو سعة انتشارها!










































