اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١ تشرين الثاني ٢٠٢٦
د. مها الدخيل
اعتادت المؤسسات أن تنظر إلى موظفيها من خلال مسمياتهم الوظيفية ومؤهلاتهم العلمية والمهام التي يؤدونها يومياً. ورغم أهمية هذه المعايير، فإنها لا تعكس الصورة الكاملة لما يمتلكه الأفراد من قدرات وإمكانات ومهارات. فخلف كل مسمى وظيفي قد تختبئ موهبة لم تُكتشف، أو مهارة صقلتها سنوات من الممارسة، أو شغف بمجال بعيد عن طبيعة العمل، لكنه قد يحمل قيمة كبيرة إذا أُتيحت له الفرصة المناسبة للظهور.
ففي المؤسسات، قد نجد موظفاً بارعاً في التصوير، وآخر يمتلك موهبة الكتابة، وثالثاً يتميز في التصميم أو الإلقاء أو التدريب أو صناعة المحتوى، رغم أن وظائفهم اليومية بعيدة عن هذه المجالات. وربما يعرف بعض الزملاء شيئاً عن تلك القدرات، بينما تظل مجهولة لدى المؤسسة وأصحاب القرار، لأنهم لم يسألوا موظفيهم: ماذا تستطيعون أن تقدموا أيضاً؟
واللافت أن كثيراً من هذه المواهب يُكتشف بالمصادفة. فقد تحتاج إحدى الإدارات إلى تنظيم فعالية عاجلة، فيبادر موظف بالمساعدة، ليفاجئ الجميع بمهاراته التنظيمية. وقد تبحث جهة عن مقدم لإحدى جلساتها، فتكتشف موظفاً يتمتع بموهبة الإلقاء. وربما تكشف مناسبة داخلية عن مهارة في التصوير أو التصميم أو الكتابة، لتتردد العبارة المعتادة: 'لم نكن نعرف أنك تجيد ذلك'.
ولكن، ماذا عن المهارات التي لم تحظَ بفرصة للاكتشاف؟
قد تبقى مواهب كثيرة مجهولة لسنوات، ليس لقلة قيمتها، بل لأن أصحابها لم يجدوا الفرصة لإظهارها، ولأن المؤسسة اعتادت تقييمهم وفق مهامهم الوظيفية فقط. فلماذا نترك اكتشاف هذه القدرات للصدفة، بينما يمكن التعرف إليها بأسلوب منظم؟
إن اكتشاف مهارات الموظفين لا يتطلب مبادرات معقدة أو موارد كبيرة، بل يمكن أن يبدأ بخطوات بسيطة تتيح لهم التعريف بمواهبهم وهواياتهم واهتماماتهم، وتشجع مشاركتهم في المشروعات والفعاليات الداخلية. وليس الهدف تكليفهم بأعباء إضافية خارج اختصاصاتهم، وإنما التعرف إلى إمكاناتهم والاستفادة منها بصورة اختيارية حين تتوافق مع احتياجات المؤسسة.
ولا تقتصر فوائد هذه الفكرة على الجانب المؤسسي، بل تمتد إلى جانب إنساني مهم. فالموظف يحمل معه اهتماماته وشغفه وقدراته التي تشكل جزءاً من شخصيته. وحين يجد فرصة لممارسة ما يحب ويجيد، ويشعر أن مؤسسته تقدّر فيه ما يتجاوز مسماه الوظيفي، فإن علاقته ببيئة العمل قد تصبح أكثر إيجابية.
فالشغف مصدر للإبداع والتجدد، وممارسته تمنح الإنسان شعوراً إضافياً بالإنجاز. كما أن اهتمام المؤسسة بمهارات موظفيها يعزز شعورهم بالتقدير، وقد ينعكس إيجاباً على الانتماء والمبادرة والرغبة في المشاركة والعطاء.
وختاماً؛ نتطلع إلى أن يصبح اكتشاف الطاقات الكامنة لدى الموظفين نهجاً ثابتاً في المؤسسات، وألا تبقى المواهب مجهولة لمجرد أنها خارج نطاق الاختصاص الوظيفي. فكم من قدرة ثمينة ظلت بعيدة عن الأنظار، وكان ينقصها سؤال بسيط أو فرصة مناسبة لتصنع أثراً لم يكن في الحسبان.










































