اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢١ حزيران ٢٠٢٦
عبدالرحمن السلطان
يزدحم الفضاء الإعلامي بالمنصات الرقمية، وتتطور تقنيات الرصد والتحليل الإعلامي، وتُبشر تقنيات الذكاء الاصطناعي بالمثير، لكن جوهر التواصل لم يتغيّر منذ الأزل؛ فالإنسان مازال يتأثر بالقصص والرموز والقيم، وإن اختلفت الوسائل الناقلة!
هنا تبرز العلاقة العميقة بين علم الأنثروبولوجيا 'علم الإنسان' والتواصل الاستراتيجي، فإذا كان التواصل الاستراتيجي يسعى إلى رفع الوعي والتأثير في السلوك وبناء السمعة، فإن الأنثروبولوجيا تقدم مفتاح ذلك: فهم الإنسان نفسه.
جوهر الأنثروبولوجيا هو دراسة الإنسان وثقافته وعلاقاته الاجتماعية وأنماط تفكيره وسلوكه، أما التواصل الاستراتيجي فهو عملية إدارة تدفق المعلومات داخل المنظمة وخارجها، من سرديات ورسائل، وحينما يلتقي العلمان، يصبح التواصل أكثر قدرةً على الوصول إلى المستهدفين، والتأثير عليهم، لأنه يتحدث بلغتهم الثقافية وليس فقط بلغته الاتصالية!
من الأخطاء الشائعة النظر إلى الجمهور على أنه مجموعة من البيانات والأرقام، تصنف بناءً على الفئات العمرية أو المستويات التعليمية وغيرها، لكنها لا تخبرنا كيف يفكرون؟ ما الذي يقلقهم؟ وما الرموز التي تمنحهم الثقة أو تثير حماسهم؟ وهنا يأتي دور الأنثروبولوجيا، التي لا تكتفي بمعرفة عمر الفرد أو دخله، بل فهم عالمه الثقافي، كيف يتخذ قراراته؟ من يؤثر عليه؟ ما القصص التي يؤمن بها؟ وما القيم التي تشكل هويته؟
لذا بعض الحملات الاتصالية تفشل، بسبب عدم فهم الثقافة، رغم ضخامة الميزانية وجودة المحتوى، مثل حملة توعية صحية تستخدم صورًا لا تنتمي للمجتمع المستهدف! فالرسالة التي تنجح في مدينة قد لا تنجح في أخرى، وما يؤثر في جيل قد لا يؤثر في جيل مختلف، أيضاً من المهم تحوّل الرسالة من مجرد نصائح وإرشادات إلى معالجة ثقافية عميقة، تراعي القيم السائدة وتعُيد توجيهها نحو السلوك المنشود، فمثلا التحليل الأنثروبولوجي قد يكشف أن قضية إسراف استهلاك المياه، ليست نقصاً معرفياً، بل عادات اجتماعية مرتبطة بالكرم أو النظافة أو أنماط الحياة.
ارتبطت الأنثروبولوجيا تاريخياً بدراسة القبائل والمجتمعات، لكنها اليوم أصبحت أداة لفهم المجتمعات الرقمية أيضاً! فعندما يدرس مختصو التواصل المجتمعات الناشطة على منصة 'تيك توك' أو مجموعات الألعاب الإلكترونية، فإنهم يمارسون شكلاً حديثاً من النشاط الأنثروبولوجي، إذ لكل مجتمع رقمي لغته الخاصة ورموزه وشخصياته المؤثرة وقواعده غير المكتوبة، ومن لا يدرك هذه الثقافة سيجد صعوبة في التواصل مع أفرادها مهما كانت جودة رسائله.
أيضاً تعلمنا الأنثروبولوجيا أن البشر لا يؤمنون بالحقائق فقط، بل بالرموز كذلك، فالعلم الوطني والزي العسكري رموز، تملك قدرة على بناء الانتماء وإثارة المشاعر وتوحيد المجتمعات، لهذا أنجح الحملات هي تلك التي تفهم قوة الرموز، وتوظفها بأسلوب أصلي وصادق.
ربما يكون أهم ما تقدمه الأنثروبولوجيا لممارسي التواصل الاستراتيجي هو أن الاستماع يسبق التحدث، فالباحث الأنثروبولوجي يقضي وقتاً طويلاً في الملاحظة والاستماع قبل أن يصل إلى الاستنتاجات، بينما يقع بعض التواصليين في خطأ صياغة الرسائل قبل فهم الواقع، كما لو كنت تبني منزلاً دون دراسة الأرض التي سيشّيد عليها.
مستقبل التواصل لن يكون لمن يمتلك المنصات أو يُحسن تصميم المحتوى، بل لمن يمتلك فهماً أعمق للإنسان، والأنثروبولوجيا أدق من يفهم الثقافة والرموز والسلوك.










































