اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ١٠ تشرين الأول ٢٠٢٦
* بين استقرار الدينار واستدامة النمو
تضع التحولات الهيكلية المتسارعة في مشهد الاقتصاد السياسي العالمي الأدوات الاقتصادية التقليدية أمام اختبار حقيقي، في ظل تشابك المتغيرات النقدية والمالية والجيوسياسية ضمن معادلة تتجاوز حدود الجغرافيا الوطنية، وتعيد تشكيل اتجاهات رؤوس الأموال وتوازنات الأسواق ومحددات النمو. وفي قلب هذه التحولات، تتمركز السياسات النقدية المتشددة لكبرى البنوك المركزية بوصفها أحد العوامل المؤثرة في إعادة توجيه التدفقات المالية العالمية، عبر قنوات انتقال تمتد إلى الاقتصادات المفتوحة والناشئة، وتفرض عليها إعادة تقييم آليات إدارة الموارد والتدفقات النقدية والمخاطر والعوائد. وبالنسبة إلى الأردن، لا يقتصر التحدي على صون الاستقرار النقدي والمالي، بل يتجاوز ذلك إلى تحويله إلى رافعة للتنمية الإنتاجية، وتعزيز قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات، وتحقيق أهداف رؤية التحديث الاقتصادي في النمو والتشغيل والتنافسية. وقد سجل الاقتصاد الأردني نموًا حقيقيًا بلغ 3.0% في الربع الثاني من عام 2026، مقابل 2.8% في الربع المماثل من عام 2025؛ وهو تحسن يعزز أهمية البناء على الاستقرار، لكنه يجعل السؤال الأهم متعلقًا بنوعية هذا النمو، ومدى انعكاسه على الإنتاجية والتكوين الرأسمالي وفرص العمل.
لقد أسهمت موجات التضخم العالمية واختلالات سلاسل التوريد وصدمات الطاقة في دفع البنوك المركزية الكبرى إلى تبني سياسات نقدية تقييدية، تستهدف احتواء الضغوط السعرية من خلال أسعار الفائدة وأدوات السياسة النقدية الأخرى. ولم تقتصر تداعيات هذه السياسات على الاقتصادات التي تصدر عنها، بل امتدت عبر قنوات الانتقال المالي الدولية، وعززت في مراحل مختلفة ظاهرة اندفاع الدولار (Dollar Surge)، وجاذبية الأصول المقومة به، وحوافز انتقال رؤوس الأموال نحو الأسواق والأدوات التي توفر عوائد أعلى أو يُنظر إليها على أنها أكثر أمانًا. وتنعكس هذه التحولات على الاقتصادات النامية من خلال ارتفاع كلفة التمويل الخارجي، وزيادة أعباء خدمة الدين المقوّم بالدولار، وتراجع هامش المناورة المتاح أمام السياسات الاقتصادية الوطنية. وفي الحالة الأردنية، تتضاعف أهمية هذه المعادلة في ضوء ارتباط الدينار بالدولار، وحجم الالتزامات المالية العامة؛ إذ بلغ الدين العام، شاملًا ما يحمله صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي، نحو 50.12 مليار دينار في تموز 2026. وهنا لا تصبح إدارة الدين مجرد عملية تمويلية، بل جزءًا من إدارة الاستقرار الاقتصادي وحماية الحيز المالي اللازم للاستثمار والتنمية.
وفي هذا السياق، تفرض معادلة سعر الصرف المرتبط بالدولار على البنك المركزي الأردني مراعاة تحركات أسعار الفائدة الأمريكية ومتطلبات المحافظة على جاذبية الأصول والودائع المقومة بالدينار، والحد من الحوافز المؤدية إلى التحول نحو العملات الأجنبية، بما يدعم الثقة بالعملة الوطنية واستقرار النظام النقدي. وقد بلغ سعر الفائدة الرئيسي للبنك المركزي الأردني6.0% في 21 أيلول 2026، فيما سجل التضخم 2.2% خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام، وبلغت الاحتياطيات الأجنبية نحو28.47 مليار دولار في أيلول 2026. وتوفر هذه المؤشرات قاعدة مهمة للاستقرار النقدي والقدرة على مواجهة الصدمات الخارجية، لكنها لا تعني انتفاء الضغوط عن الاقتصاد الحقيقي أو تراجع كلفة التمويل على جميع القطاعات. فالمعادلة تنطوي على مفاضلة دقيقة بين حماية الاستقرار النقدي وتكلفة الائتمان والاستثمار؛ ومن ثم، فإن نجاح السياسة النقدية لا يُقاس بالاحتياطيات وسعر الصرف وحدهما، بل أيضًا بمدى تكاملها مع السياسة المالية والسياسات الإنتاجية، وقدرتها على تهيئة بيئة تمكّن الاقتصاد من الانتقال من الاستقرار إلى النمو المستدام.
وتتجلى آثار هذه المعادلة في ارتفاع المتوسط المرجّح لتكلفة رأس المال (WACC)، وزيادة كلفة التسهيلات المصرفية وأعباء خدمة القروض، وارتفاع تكلفة إعادة تمويل الالتزامات عند استحقاق الدين أو إصدار أدوات جديدة في بيئة تمويلية مرتفعة الكلفة. وقد تؤثر هذه الضغوط في صافي القيمة الحالية للمشروعات ومعدلات العائد الداخلي، وتدفع الشركات إلى تأجيل بعض قرارات التوسع أو إعادة ترتيب أولوياتها الاستثمارية، بما ينعكس على التكوين الرأسمالي الإجمالي والإنتاجية. وتتداخل هذه التحديات مع الضغوط القطاعية وسوق العمل؛ فقد بلغت الإيرادات السياحية نحو 2.8 مليار دولار خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026، بانخفاض 9.2%، قبل أن تُظهر البيانات اللاحقة تحسنًا نسبيًا في مسار الإيرادات. ولا يصح إرجاع هذا التراجع إلى أسعار الفائدة وحدها، إذ ارتبط بتداعيات الحرب في إيران وتراجع إيرادات بعض الأسواق. ومع ذلك، تكشف هذه التطورات أهمية بناء قطاعات أكثر مرونة، قادرة على تنويع مصادر الطلب والدخل، ورفع قدرتها التنافسية، وتحمل الصدمات الخارجية دون أن تتحول الضغوط المؤقتة إلى اختلالات هيكلية طويلة الأجل.
وحين تبلغ السياسة النقدية حدود الموازنة بين الاستقرار النقدي وكلفة التمويل، تتقدم السياسة المالية والتدخلات الحكومية القطاعية بوصفها أدوات مكملة لإدارة الدورة الاقتصادية وتخفيف آثار التشدد الائتماني، دون تقويض الانضباط المالي أو خلق اختلالات جديدة. وهنا ينبغي دمج رؤية التحديث الاقتصادي في صلب الاستجابة، لا باعتبارها برنامجًا موازيًا للسياسات النقدية والمالية، بل إطارًا استراتيجيًا لتوجيه الموارد نحو القطاعات الأعلى إنتاجية والأقدر على توليد القيمة المضافة وفرص العمل. وقد قُدرت كلفة البرنامج التنفيذي الثاني للرؤية للأعوام 2026–2029 بنحو 3.8 مليار دينار، منها 1.3 مليار دينار لعام 2026؛ وهي كلفة تأشيرية معلنة وليست دليلًا بذاتها على الإنفاق الفعلي أو تحقق النتائج. وتبرز هنا أهمية الاستهداف الانتقائي والهندسة المالية الموجّهة، من خلال نوافذ تمويل ميسّرة ومدروسة للقطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها الصناعة والزراعة والطاقة المتجددة والتكنولوجيا، وربط الحوافز بمؤشرات واضحة للإنتاجية والتشغيل والتصدير. كما تقتضي المراجعة المؤسسية المستمرة مقارنة المستهدفات بالنتائج الفعلية، وتحديد فجوات التنفيذ، وتصحيح المسار بناءً على البيانات، دون افتراض مسبق بفشل الرؤية أو اكتمال نجاحها. فجوهر التحديث ليس عدد المبادرات أو حجم المخصصات، بل الأثر الاقتصادي الذي يتحقق من خلالها .
ويتكامل ذلك مع تحفيز بيئة الأعمال عبر حوافز ضريبية وتنظيمية مستهدفة، ترتبط بنتائج اقتصادية قابلة للقياس، مثل نمو الصادرات، وارتفاع القيمة المضافة المحلية، ونقل التكنولوجيا، وتوفير فرص العمل المستدامة. كما يتطلب الأمر خفض تكلفة ممارسة الأعمال، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز استقرار التشريعات ووضوحها، بما يقلل المخاطر غير التمويلية التي يتحملها المستثمر ويعزز جاذبية الاستثمار المحلي والأجنبي. وعلى صعيد المالية العامة، تبرز ضرورة إدارة محفظة الدين بكفاءة أعلى، من خلال دراسة آجال الاستحقاق، وتنويع أدوات التمويل، والتوسع المدروس في الأدوات طويلة الأجل ذات الفائدة الثابتة عندما تسمح ظروف السوق بذلك، للحد من مخاطر إعادة التمويل والتعرض لتقلبات الفائدة. ويجب أن تتكامل هذه الإجراءات مع تعزيز الحماية الاجتماعية وتوجيه الدعم إلى الفئات الأكثر تأثرًا، مع مراعاة الاستدامة المالية وتجنب الدعم العام غير الموجّه. أما في السياحة، فإن الاستجابة تتطلب تنويع الأسواق العربية والإقليمية والآسيوية، وتطوير منتجات سياحية متكاملة تطيل مدة الإقامة وترفع متوسط الإنفاق، إلى جانب دراسة حوافز تشغيلية مرتبطة بالأداء، مثل استدامة الرحلات العارضة (Charter Flights) وتحسين تنافسية المنشآت. وبهذا تصبح الأدوات المالية والقطاعية جزءًا من هندسة اقتصادية متكاملة، لا إجراءات منفصلة عن أهداف التحديث الاقتصادي.
إن تجاوز هذه المرحلة يتطلب إدراك أن الإدارة الاقتصادية الناجحة لا تقتصر على احتواء الضغوط الآنية أو تنظيم الموارد المتاحة، بل تقوم على رفع كفاءة تخصيصها، وتمكين الكفاءات الوطنية، وتعزيز الاستثمار في البنية التحتية والابتكار والتكنولوجيا ورأس المال البشري. فالتكامل بين السياسة النقدية التي يقودها البنك المركزي، والسياسة المالية التي تنتهجها الحكومة، والإصلاحات الهيكلية التي تستهدفها رؤية التحديث الاقتصادي، هو ما يحدد قدرة الأردن على تحويل الاستقرار إلى نمو، والتمويل إلى إنتاج، والإنفاق إلى أثر تنموي ملموس. وفي عالم تتغير فيه كلفة المال وتتسع فيه المخاطر الجيوسياسية، لا تكمن قوة الاقتصاد الوطني في قدرته على الصمود وحده، بل في قدرته على التعلم من الصدمات وإعادة ترتيب أولوياته وتحسين أدواته. ومن هنا، فإن الاختبار الاستراتيجي الحقيقي أمام الأردن ليس مجرد المحافظة على المؤشرات الكلية، بل ضمان أن تنعكس متانة هذه المؤشرات على الاستثمار المنتج وفرص العمل والتنافسية والاستدامة المالية. فالتحديث الاقتصادي لا يُقاس بما تعلنه الخطط، بل بما تصنعه من نتائج؛ ولا يُختبر الاستقرار بقدرته على احتواء العاصفة فحسب، بل بقدرته على فتح الطريق نحو نمو أكثر رسوخًا وشمولًا واستدامة.












































