اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٢ نيسان ٢٠٢٦
تؤكد الأدبيات التربوية الحديثة أن جودة التعلم لا تتحدد فقط بمحتوى المعرفة المقدمة، بل تتشكل بصورة جوهرية من خلال خصائص البيئة التعليمية التي يتم فيها هذا التعلم. وقد أظهرت دراسات متعددة في مجال التعليم الطبي أن البيئة التعليمية تمثل عاملًا حاسمًا في تحديد مستوى التحصيل الأكاديمي، والرفاه النفسي، وتشكّل الهوية المهنية لدى طلبة الطب.
وفي سياق التعليم الطبي تحديدًا، تتضاعف أهمية البيئة التعليمية نظرًا لطبيعة التخصص التي تجمع بين التعقيد المعرفي، والضغط النفسي، والمسؤولية الأخلاقية. وتشير تقارير حديثة صادرة عن منظمة الصحة العالمية (WHO) ورابطة كليات الطب الأمريكية (AAMC) إلى ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب والاحتراق النفسي بين طلبة الطب عالميًا، مما يؤثر سلبًا على أدائهم الأكاديمي وجودة ممارستهم المهنية مستقبلًا.
وعليه، فإن تطوير البيئة النفسية في كليات الطب في الأردن يمثل ضرورة استراتيجية، ليس فقط لتحسين جودة التعليم، بل أيضًا لضمان إعداد أطباء يتمتعون بالكفاءة العلمية والاتزان النفسي والقدرة على تقديم رعاية صحية إنسانية وآمنة (Dunn & Burnett, 1995؛ Genn, 2001).
الإطار المفاهيمي للبيئة النفسية في التعليم الطبي:
تعرف البيئة التعليمية الطبية بأنها 'مجموعة الظروف المادية والنفسية والاجتماعية التي تحيط بعملية التعلم وتؤثر فيها' (Genn, 2001). وتشمل هذه البيئة أبعادًا متعددة، من بينها العلاقة بين الطالب والأستاذ، وأنماط التفاعل الصفي، وأساليب التقييم، والثقافة المؤسسية، ومستوى الدعم النفسي المتاح.
وقد أثبتت دراسات باستخدام مقياس (DREEM - Dundee Ready Education Environment Measure) أن البيئة التعليمية الإيجابية ترتبط ارتباطًا مباشرًا بتحسين التحصيل الأكاديمي، وزيادة الرضا الطلابي، وتعزيز الدافعية الداخلية للتعلم (Roff et al., 1997).
كما تشير نظرية الأمان النفسي (Psychological Safety) التي قدمتها Amy Edmondson إلى أن شعور الفرد بالأمان داخل بيئة التعلم يعزز من قدرته على المشاركة، وطرح الأسئلة، والتعلم من الأخطاء دون خوف من التقييم السلبي، وهو عنصر حاسم في التعليم الطبي القائم على الممارسة والخطأ والتصحيح.
مبررات تطوير البيئة النفسية في كليات الطب:
تشير الأدلة البحثية إلى أن طلبة الطب يُعدّون من أكثر الفئات عرضة للضغوط النفسية، حيث تتراوح معدلات الاكتئاب بينهم بين 25%–30% عالميًا (Rotenstein et al., 2016). كما ترتبط هذه الضغوط بظواهر مثل الاحتراق النفسي (Burnout)، وتراجع التعاطف مع المرضى، وزيادة احتمالية الأخطاء الطبية مستقبلًا.
في المقابل، أظهرت الدراسات أن البيئات التعليمية الداعمة نفسيًا تسهم في تحسين الأداء الأكاديمي (Henning et al., 2009) ,تعزيز المرونة النفسية والقدرة على التكيف ,تقليل معدلات التسرب والإجهاد ,تنمية المهارات المهنية والسلوكية ، ومن هنا، فإن الاستثمار في تحسين البيئة النفسية لا يعد تدخلًا رفاهيًا، بل هو استثمار مباشر في جودة النظام الصحي ككل.
ان لبيئة التعلم الآمنة والداعمة في كلية الطب عدد من الآثار الإيجابية على نتائج التعلم والجودة العامة للخريجين. تتضمن بعض الفوائد المحددة والتي يمكن اجمالها بما يلي:
أولا: تحسين الأداء الأكاديمي: فمن المرجح أن يكون الطلاب الذين يشعرون بالأمان والدعم في بيئة التعلم الخاصة بهم متحمسين ومشاركين في دراساتهم. هذا يمكن أن يؤدي إلى تحسين الدرجات والأداء الأكاديمي العام.
ثانيا: زيادة الصلابة النفسية والمرونة: يمكن أن تكون الدراسة في كلية الطب تجربة صعبة ومتطلباتها كثيرة ومعقدة لذا يمكن أن تساعد بيئة التعلم الآمنة والداعمة الطلاب على تطوير القوة الذاتية وصلابة الشخصية وزيادة المرونة ومهارات التأقلم والتكيف التي يحتاجون إليها للتغلب على هذه التحديات والمثابرة في الأوقات الصعبة.
ثالثا: تحسين الصحة العقلية والنفسية: إذ أن الطلاب الذين يشعرون بالأمان والدعم هم أكثر عرضة للتمتع بصحة نفسية وعقلية وقدرة على الاحتفاظ بدلافعية عالية للانجاز. يمكن أن يساعدهم ذلك على أن يكونوا أكثر تركيزًا وتحفيزًا ومرونة كما يمكن أن يؤدي إلى تحسين مفهوم الذات ورفع الأداء الأكاديمي لديهم.
رابعا: التطوير الشخصي والمهني المعزز: يمكن لبيئة التعلم الآمنة والداعمة أن توفر للطلاب الفرصة لتطوير مهاراتهم وصفاتهم الشخصية والمهنية. يمكن أن يشمل ذلك مهارات مثل العمل الجماعي والقيادة والتواصل وحل المشكلات ، والتي تعتبر ضرورية للنجاح في مهنة الطب.
بشكل عام ، يمكن أن تساعد بيئة التعلم الآمنة والداعمة في إنتاج خريجين ذوي جودة عالية ومستعدين جيدًا للنجاح في حياتهم المهنية وإحداث تأثير إيجابي على الوطن والعالم.
ومن هنا، فإن الاستثمار في تحسين البيئة النفسية لا يعد تدخلًا رفاهيًا، بل هو استثمار مباشر في جودة النظام الصحي ككل ، بناءً عليه، نوصي بالإجراءات التالية لإنشاء بيئة تعليمية إيجابية وداعمة والحفاظ عليها لطلاب الطب الجامعيين:
أولا: كفاءة أعضاء هيئة التدريس:
يُعد عضو هيئة التدريس حجر الزاوية في تشكيل البيئة النفسية داخل كلية الطب. وتؤكد الأدبيات أن أساليب التدريس الداعمة، والتغذية الراجعة البنّاءة، والعلاقة الإنسانية الإيجابية مع الطلبة، ترتبط بتحسين نتائج التعلم وتقليل القلق الأكاديمي.
وعليه، يُقترح استحداث برنامج تدريبي إلزامي لأعضاء هيئة التدريس في مجالات التربية الطبية وعلم النفس التربوي، يتضمن تدريبًا عمليًا على استراتيجيات التدريس النشط، وإدارة الصف، والتقويم العادل، ومهارات التواصل التعاطفي.
كما يُوصى بتبني نظام الإرشاد الأكاديمي (Mentorship System)، بحيث يتم تخصيص مرشد أكاديمي لكل مجموعة من الطلبة، يتابع تقدمهم الأكاديمي والنفسي بشكل دوري، وهو نموذج أثبت فعاليته في العديد من كليات الطب عالميًا (Sambunjak et al., 2006).
من المهم أن يكون أعضاء هيئة التدريس على دراية تربوية ومهارة وداعمين للطلاب. يمكن أن يساعد ذلك في خلق تجربة تعليمية إيجابية وجذابة ، ان الاستثمار في طاقم تدريس عالي الجودة يحتم على عمادة الكلية توفير فرص التدريب والتطوير المهني المستمر لأعضاء هيئة التدريس في الجانب النفسي، وإن أهم ما يمكن تدريبهم عليه هو دبلوم مهني متخصص في علم النفس التربوي لا تقل مدته عن 6 أشهر يشتمل على ما يلي:
نظريات التعلم والتعليم وفق منظور علم النفس المعرفي.
نظريات دافعية الانجاز والتعلم.
مهارات الادارة الصفية وبيئة التعلم وأساليب التدريس.
أساليب القياس والتقويم وبناء الاختبارات التحصيلية.
الصحة النفسية للطلبة والتوافق الاجتماعي.
ثانيا: إنشاء منظومة دعم نفسي متكاملة للطلبة والاساتذة:
تشير توصيات منظمة الصحة العالمية إلى أهمية دمج خدمات الصحة النفسية ضمن المؤسسات التعليمية، خاصة في التخصصات عالية الضغط مثل الطب ، كما يُقترح تطوير برامج تكيفية (Adjustment Programs) تستهدف الطلبة الجدد، وطلبة السنوات السريرية، والطلبة الدوليين، بهدف تسهيل اندماجهم في البيئة التعليمية وتقليل الصدمة الانتقالية.
إضافة إلى ذلك، يمكن الاستفادة من التكنولوجيا عبر إنشاء منصات رقمية تتيح للطلبة الوصول إلى خدمات الدعم النفسي بسرية وسهولة، وهو ما أثبت فعاليته في تحسين الوصول للخدمات وتقليل الوصمة الاجتماعية ، وذلك من خلال ما يلي:
أولا: انشاء مركز نفسي مختص يوفر خدمات الاستشارات النفسية والتربوية والعلاج النفسي وبرامج الوقاية من الاحتراق النفسي، إضافة إلى جلسات الدعم الجماعي، ليضم كادرا مؤهلا من مختصي علم النفس التربوي والارشاد والصحة النفسية وعلم النفس الاكلنيكي وفق معايير علمية ومهنية عالمية ليقدم خدماته للطلبة والأساتذة أيضا.
ثانيا: استحداث برنامجا تكيفيا خاصا يساعد الطلبة على الانخراط ببيئة التعلم الجديدة عند البدء بالبرنامج الدراسي وفي نهاية كل فصل دراسي ايضا، بحيث يكون احد اهدافه احداث نوع من التفريغ الانفعالي للطلبة، وخلق جو اجتماعي دافئ ومتعاطف وأنسنة غرف الصفوف وعملية التعلم من خلال حفلات ولقاءات ورحلات بين الفصول لتحقيق هذه الغاية، مع توفير خدمة استقبال الطلبة الأجانب عند البدايات من خلال برنامج لمدة سبوع يتضمن تعريفهم بالعادات والتقاليد ودمجهم بالبيئة الأردنية الاجتماعية و التاريخية.
ثالثا: تعزيز الثقافة المؤسسية الداعمة واجراءات عمل معيارية SOP`s لدى جميع الأساتذة:
تلعب الثقافة المؤسسية دورًا محوريًا في تشكيل المناخ النفسي العام داخل الكلية. وتشير الدراسات إلى أن البيئات التي تتسم بالعدالة، والشفافية، والاحترام المتبادل، تعزز من شعور الطلبة بالانتماء والأمان ، وعليه يُوصى بوضع سياسات واضحة تنظم العلاقة بين جميع أطراف العملية التعليمية، بما في ذلك مدونة سلوك مهنية، وإجراءات عمل معيارية (SOPs)، وآليات شفافة للتقييم ، كما يُقترح إنشاء نظام شكاوى مستقل وسري، يضمن حماية الطلبة من أي ممارسات غير مهنية، مثل التنمر الأكاديمي أو التحيز ، وتكون الجهة المسؤولة عنه من خارج اطار الكلية وتتبع لرئاسة الجامعة مباشرة.
من الممكن أن تؤثر الثقافة والجو العام للمؤسسة بشكل كبير على تجربة التعلم للطلاب، ولتطوير ذلك لا بد من وضع اجراءات عمل واضحة يلتزم بها جميع الأساتذة العاملين في الكلية تتضمن وصفا دقيقا وممنهجا لعملية التدريس ، كما تتضمن ايضا مدونة لقواعد السلوك تضبط اخلاقيات وجودة العمل المهني للأساتذة والموظفين والطلبة أيضا، كما تتضمن وصفا دقيقا لنماذج العمل والمدة الزمنية الموحدة للاجراءات، ولتحقيق هذه الآلية لا بد من:
• عمل مقابلات معمقة مع مجموعة من اعضاء هيئة التدريس.
• عمل مجموعات نقاش مركز للاساتذة Focus Group Discussion (3 مجموعات على الأقل).
• عمل مجموعات نقاش مركز للطلبة Focus Group Discussion (3 مجموعات على الأقل).
• مراجعة التعليمات والأدبيات العالمية في هذا الاطار.
• اعداد دليل SOP`s ومناقشته مع نخبة من الاساتذة لاقراره بالصيغة النهائية ، ليكون بمثابة دستور عمل ينظم العلاقة بين الأساتذة والطلبة.
إصلاح نظام التقييم الأكاديمي:
تؤكد الأدبيات التربوية أن أنظمة التقييم التقليدية المعتمدة على الامتحانات النهائية فقط تسهم في زيادة القلق وتحد من التعلم العميق، وعليه، يُوصى بالتحول نحو التقييم المستمر (Continuous Assessment)، واستخدام أدوات متنوعة مثل OSCE وPortfolio، بما يعكس كفاءة الطالب بشكل شامل ويقلل من الضغط النفسي المرتبط بالاختبارات ، بالاضافة الى تدريب الأشاتذة على مهارات بناء الاختبارات وايجاد خصائصها السيكومترية كالصدق Validity والثبات Reliability .
إدماج مهارات الحياة والرفاه النفسي في مناخ التعلم داخل الكليات:
تشير توصيات مثل Association of American Medical Colleges وWorld Health Organization إلى ضرورة تضمين مهارات مثل إدارة الضغط، والذكاء العاطفي، والتوازن بين الحياة والعمل ضمن المناهج الطبية ، ويمكن تحقيق ذلك من خلال مساقات أو ورش عمل تفاعلية، تسهم في إعداد الطالب ليس فقط كطبيب، بل كإنسان متوازن قادر على التعامل مع ضغوط المهنة، واستحداث برنامج تفريغ انفعالي للطلبة بحيث يعقد برنامجا ترفيهيا نهاية كل شهر ولو لساعتين داخل مبنى الكلية.
آليات التنفيذ والتقييم:
لضمان فعالية هذا المقترح، يُوصى بما يلي:
• تشكيل لجنة وطنية للإشراف على تنفيذ البرنامج.
• تطبيق المشروع بشكل تجريبي (Pilot) في عدد من كليات الطب.
• استخدام أداة علمية معيارية ومقنّنة لقياس جودة البيئة التعليمية من وجهة نظر الطلبة، Dundee Ready Education Environment Measure
• تحديد مؤشرات أداء رئيسية (KPIs) مثل: انخفاض معدلات الاحتراق النفسي، وتحسن الأداء الأكاديمي ، وزيادة رضا الطلبة، وخفض معدلات القلق والاكتئاب.
الخاتمة:
إن تطوير البيئة النفسية في كليات الطب يمثل استثمارًا استراتيجيًا في مستقبل القطاع الصحي في الأردن. فإعداد طبيب كفء لا يقتصر على تزويده بالمعرفة والمهارات، بل يتطلب أيضًا بناء إنسان متوازن نفسيًا، قادر على التعاطف، واتخاذ القرار، والعمل تحت الضغط.
وعليه، فإن تبني هذا المقترح من قبل الجهات المعنية سيسهم في إحداث نقلة نوعية في التعليم الطبي، ويعزز من مكانة الأردن كمركز إقليمي متميز في إعداد الكوادر الطبية.
للتواصل مع كاتب المقال: د. عاطف القاسم ، هاتف 0792009376 ، atef_35@yaoo.com












































