اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٢٤ تشرين الأول ٢٠٢٦
لم تكن الجريمة الإرهابية التي استهدفت كنيسة الحمود للروم الأرثوذكس في محافظة الكرك، يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026، اعتداءً على أرواح بريئة فحسب، بل طعنة في قلب المجتمع الأردني ومحاولة لضرب نسيجه الوطني وإشعال الفتنة بين أبنائه. غير أن الأردن، بما راكمه من وعي وطني وتجربة في مواجهة الإرهاب، يملك من عناصر التماسك ما يجعله عصيًّا على محاولات التفكيك والعبث بأمنه واستقراره.
وبحسب إعلان مديرية الأمن العام الذي نقلته وكالة الأنباء الأردنية «بترا»، أسفر الهجوم عن استشهاد سبعة أشخاص وإصابة 34 آخرين. وأوردت تقارير إعلامية أسماء الضحايا السبعة: فادي إبراهيم عاصم الهلسة، وماهر عادل خليل الزريقات، وإيهاب نايف جميل الهلسة، وعاصم إميل حنا البرقان، وخالد ميخائيل مفضي الهلسة، وعلاء خليل صالح المصاروة، والدكتور عيسى مدانات. رحمهم الله، وألهم ذويهم الصبر والسلوان، ومنح المصابين الشفاء العاجل.
إن استهداف المصلين والمشيعين في محيط دار للعبادة، في لحظة يفترض أن تتجلى فيها أسمى معاني الحزن والتكافل الإنساني، يكشف عن وحشية الفكر المتطرف الذي لا يتورع عن سفك الدماء وانتهاك المقدسات. وهو اعتداء على الأردن بأسره، مسلمين ومسيحيين؛ فالمواطنة لا تتجزأ، والدم الأردني واحد، والتعايش الوطني ليس منحة من أحد، بل ركيزة راسخة في هوية الدولة والمجتمع.
وتكتسب الجريمة خطورتها من دلالتها التي تتجاوز عدد الضحايا إلى طبيعة الهدف المحتمل القائم على ضرب الثقة بين مكونات المجتمع الأردني، وتحويل الاختلاف الديني إلى مدخل للصراع الداخلي. لكن هذا الرهان، إن كان من دوافع الجريمة، يصطدم بتاريخ طويل من التعايش والتضامن بين الأردنيين، وبحقيقة أن الاعتداء على أي مواطن بسبب دينه هو اعتداء على حق الجميع في الأمن والكرامة والمواطنة المتساوية.
وهذا يأخذنا إلى سؤال مشروع تتحاذفه التكهنات: من يقف وراء الجريمة؟
في خضم هذه الفاجعة، تبرز ضرورة التحذير من استثمار الدم الأردني في صراعات إقليمية أو توظيفه لخدمة أجندات سياسية. فمن حق الأردنيين التساؤل عن الجهات التي تقف وراء الجريمة، وعن دوافعها وتوقيتها، وعن المستفيد من محاولة زعزعة الاستقرار في المملكة؛ لكن الإجابة عن هذه الأسئلة ينبغي أن تستند إلى تحقيق مهني وأدلة دامغة، لا إلى فرضيات تتحول بفعل التكرار إلى ما يشبه الحقائق.
وقد وصفت السلطات الأردنية الهجوم بأنه عمل إرهابي نفذته مجموعة متطرفة، لكنها أشارت، في التصريحات الأولية، إلى أن تحديد صلات المنفذين بتنظيمات معروفة داخل الأردن أو خارجه يحتاج إلى مزيد من التحقيق. ولم تكن هناك، وفق التقارير المنشورة يوم الحادث، جهة قد أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم.
ومن هنا، فإن فرضية وجود ارتباطات استخبارية أو إقليمية وراء الجريمة، بما فيها احتمال استغلال جماعات متطرفة لتنفيذ مخططات تخدم أطرافًا خارجية، تظل مجالًا مشروعًا للتحقيق إذا ظهرت قرائن تدعمها.
ومع ذلك، فإن غياب الدليل المعلن لا يلغي ضرورة قراءة السياق السياسي والأمني الذي وقعت فيه الجريمة؛ فالأردن يحتل موقعًا حساسًا في معادلات الإقليم، بحكم حدوده الجغرافية ومواقفه من القضية الفلسطينية ودوره في الحفاظ على الاستقرار الإقليمي. ولذلك، فإن حماية الجبهة الداخلية ليست شأنًا أمنيًّا فحسب، بل ضرورة استراتيجية تحول دون استغلال الخوف والاحتقان لإضعاف الدولة أو جرّها إلى مسارات تخدم حسابات الآخرين.
ورغم ذلك، فإن عاصفة من الأسئلة تتفجر في رؤوس المشاهدين حول نتنياهو وخطاب الإسلاموفوبيا.. في مناخ سياسي قابل للاستثمار.
ففي هذا السياق، لا يمكن إغفال الجدل الذي يثيره خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن الإسلام والتطرف، وما يطرحه من أسئلة حول توظيف الخوف من الإسلام في الخطاب السياسي الغربي والإسرائيلي. فثمة فارق جوهري بين مواجهة التطرف العنيف بوصفه ظاهرة أمنية، وبين تعميم الاشتباه على المسلمين أو تصوير الإسلام نفسه باعتباره تهديدًا حضاريًّا؛ إذ يفضي المسار الثاني إلى تغذية الإسلاموفوبيا، وتوسيع دائرة العداء، وتهيئة مناخ سياسي يسهل فيه توظيف الحوادث الإرهابية لتبرير سياسات أمنية أو إقليمية.. وخاصة أن نتنياهو يجر المنطقة إلى الفوضى التي يراهن عليها من أجل تأمين قدرته على الفوز من خلال تسويق فكرة أنه الضامن لأمن الإقليم!
وتزداد أهمية هذه المسألة حين تُستحضر تصريحات سياسية إسرائيلية أثارت انتقادات بسبب تصويرها تنامي الوجود الإسلامي في المجتمعات الغربية باعتباره تهديدًا.. وهذا يتجلى أكثر في خطابات نتنياهو منذ خطابه الأخير في الجمعية العامة.. كرد فعل على خروج عشرات الوفود من القاعة بسبب جرائم الإبادة في غزة.
فمثلاً 'تي في 7 إسرائيل نيوز' يوجه الاتهام في جريمة كنيسة الكرك إلى الإسلاميين وفق تحليلات خبرائه، أما موقع 'إسرائيلي الناطق بالروسية' فيلصق التهمة وفق تحليلاته بالإيرانيين لدوافع انتفامية.
وإذا كانت بعض القراءات السياسية تربط بين تصاعد خطاب الإسلاموفوبيا ومصالح اليمين الإسرائيلي،فذلك مرهون نسبياً بنتائج التحقيقات الجادة.
إذْ لا ينبغي أن يتحول غياب الأدلة العلنية في المراحل الأولى إلى ذريعة لإغلاق باب التحقيق أمام أي فرضية، سواء تعلقت بتنظيم «داعش»، أو باحتمال وجود دور استخباري خارجي، بما في ذلك الموساد بناءً على إسباقياته في الإقليم وجرائمه المدانة، أو بتشابكات المصالح والقوى الخفية في إقليم تتنازعه الأزمات والصراعات. فكل الفرضيات يجب أن تظل مفتوحة للفحص، وفق معايير مهنية وقانونية صارمة تكشف الحقيقة وتحدد المسؤوليات بتجرد.
وفي موازاة ذلك، يبقى الرهان الأهم على الوحدة الوطنية الأردنية، بوصفها خط الدفاع الأول في مواجهة الإرهاب والفتنة، والسد المنيع أمام كل محاولة لاختراق المجتمع أو زعزعة استقرار الدولة.
إن الاختبار الحقيقي الذي تفرضه هذه الفاجعة هو قدرة الأردنيين على حماية وحدتهم من محاولات بث الكراهية والفتنة، وقدرة المؤسسات الأمنية والقضائية على كشف الجناة وشبكاتهم ودوافعهم، ومحاسبتهم وفق القانون، وصون حقوق الضحايا وذويهم، ومنع انتشار الشائعات والمعلومات المضللة.
فالأردن الذي واجه الإرهاب في محطات سابقة يدرك أن الجماعات المتطرفة لا تستهدف الضحايا وحدهم، بل تسعى أيضًا إلى إحداث أثر نفسي وسياسي يتجاوز مكان الجريمة وزمانها. ومن ثم، فإن الرد الوطني لا يكتمل بالإجراءات الأمنية وحدها، بل يحتاج إلى خطاب عام مسؤول، وإلى تماسك اجتماعي يرفض الانتقام الجماعي والتعميم الديني، وإلى إصرار على إظهار الحقيقة كاملة.
رحم الله شهداء الأردن في الكرك: فادي الهلسة، وماهر الزريقات، وإيهاب الهلسة، وعاصم البرقان، وخالد الهلسة، وعلاء المصاروة، والدكتور عيسى مدانات. إن دماءهم أمانة في أعناقنا، وحقهم يقتضي كشف الحقيقة كاملة، لا الاكتفاء بالإدانة والاستنكار. وستبقى الكرك، بتاريخها ووعي أهلها، شاهدًا على أن وحدة الأردنيين أقوى من الرصاص، وأن استهداف أحد مكونات المجتمع هو استهداف للأردن كله.
فليكن الرد على الإرهاب مزيدًا من التماسك الوطني، ومزيدًا من العدالة واليقظة والانتباه من المتربصين بالأردن وخاصة دعاة إسرائيل الكبرى' ، وإصرارًا على كشف الحقيقة مهما كانت الجهة التي تقف وراء الجريمة؛ فلا حصانة لمجرم، ولا مكان للفتنة، ولا يجوز أن تتحول دماء الضحايا إلى وقود لصراعات سياسية أو اتهامات تسبق الأدلة.












































