اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٠ أيلول ٢٠٢٦
أ.د. فهد مطلق العتيبي
ليست المصطلحات العلمية مجرد كلمات تُضاف إلى المعاجم، بل هي المفاتيح التي يدخل بها القارئ إلى مختلف الحقول المعرفية. ومن هنا تبرز أهمية «مسرد أبيل للأنثروبولوجيا» الصادر عن شركة أبيل؛ فهو مشروع يتجاوز فكرة جمع المصطلحات وتعريبها إلى محاولة بناء لغة عربية قادرة على استيعاب علم الإنسان ومفاهيمه المتشابكة، مع عناية خاصة بالسياق الثقافي واللغوي السعودي.
تنبع أهمية هذا المسرد من طبيعة الأنثروبولوجيا نفسها؛ فهي علم يضع الإنسان في مركز اهتمامه، ويدرس ثقافته ومجتمعه ولغته وعاداته ومعتقداته وأنماط حياته. وقد مرت الأنثروبولوجيا بمراحل طويلة منذ الإرهاصات المبكرة للتأمل في اختلافات الشعوب عند هيرودوت، مرورًا بإسهامات الفكر العربي والإسلامي، وصولًا إلى تشكل الأنثروبولوجيا الأكاديمية الحديثة واعتمادها بصورة متزايدة على البحث الميداني والملاحظة بالمشاركة. غير أن انتقال هذا الحقل إلى العربية يواجه إشكالًا لا يقل أهمية عن تطوره النظري؛ وهو إشكال المصطلح. فالمفهوم الأنثروبولوجي لا ينتقل من لغة إلى أخرى بمجرد إيجاد مقابل لغوي له، لأن وراء المصطلح تاريخًا ومدرسةً نظريةً وسياقًا معرفيًا.
ومن هنا جاءت قيمة المسرد؛ إذ سعى إلى ضبط المصطلحات، والتمييز بين المتقارب منها، وتقليل الالتباس المفاهيمي، مع تقريب التعريفات للقارئ من غير الإخلال بدقتها العلمية. ويلفت النظر في منهجيته أنه لم يعتمد على الترجمة الآلية لبناء التعريفات، بل رجع معدّوه إلى المعاجم المتخصصة والموسوعات والمراجع الأكاديمية، مع الاستئناس بالاستخدام الاصطلاحي في الأدبيات الحديثة. كما اعتمدت الترجمة أساسًا على المقابلة بين المعاجم العربية والإنجليزية، مع تفضيل المصطلح العربي المستقر متى وجد، وتعريب المصطلح الأجنبي عند الحاجة. وهذه نقطة جوهرية؛ لأن صناعة المصطلح ليست عملية لغوية فحسب، بل هي في جوهرها صناعة للمعرفة.
ويكتسب المشروع بعدًا آخر من اهتمامه بالمصطلحات المتداولة في الوسط السعودي، ورغبته في تحرير المصطلحات الأنثروبولوجية السعودية من الاستعمال اليومي إلى الاستعمال العلمي المنضبط. وهنا يمكن أن يؤدي المسرد وظيفة تتجاوز التعليم والترجمة، ليصبح خطوة نحو توطين الأنثروبولوجيا وإنتاج معرفة تنطلق من المجتمع السعودي بدل الاكتفاء باستيراد المفاهيم الجاهزة.
ولعل أجمل ما في هذا المشروع أنه يفتح الباب لمشروع أكبر: أن تتحول المصطلحات المحلية المتعلقة بالمجلس والقبيلة والضيافة والنسب والجيرة والفزعة وغيرها من مجرد مفردات ثقافية إلى مفاهيم تحليلية يمكن تقديمها للباحث العالمي. عندئذ لا نكون قد ترجمنا الأنثروبولوجيا إلى العربية فحسب، بل نكون قد بدأنا في إثراء الأنثروبولوجيا العالمية بمفاهيم نابعة من تجربتنا الثقافية.
إن القيمة الحقيقية لمسرد أبيل تكمن هنا تحديدًا: أن يصبح جسرًا ذا اتجاهين؛ نستقبل عبره المعرفة الأنثروبولوجية العالمية، ونرسل عبره مفاهيمنا وتجربتنا الثقافية إلى العالم. فاستقلال العلوم لا يبدأ دائمًا من تأسيس نظرية جديدة؛ بل قد يبدأ أحيانًا من سؤال بسيط وعميق: بأي لغة نسمّي الأشياء التي ندرسها؟










































