اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ٥ تموز ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
حين يلتقي حب الوطن بأخلاقِ الإسلام تتجاوز كرة القدم في عالمنا اليوم كونها مجرد 'لعبة' تنتهي صافرتها بانتهاء التسعين دقيقة؛
فقد أصبحت مرآة تعكس قيمنا، وعلاقاتنا، ومدى فهمنا لمعنى الانتماء.
ومؤخراً، أثار موقف مشجعٍ سوداني، عبر فيه عن تمنياته بهزيمة المنتخب المصري أمام أستراليا
مُبرراً ذلك بالبحث عن اللعب الجميل،
أثار موجة من النقاشات حول حدود التشجيع ومعايير الولاء.
إن هذا الموقف، وإن كان يمثل وجهة نظر فردية، إلا أنه يمثل مدخلاً مهماً للتأمل في مفاهيمنا حول الأخوة، والرياضة، ومفهوم 'حب الوطن' الذي أسس له ديننا الحنيف.
أولاً: درس في الوفاء والقربى
إن الانحياز للمنافس لمجرد أنه أكثر مهارة أو أفضل تكتيكاً هو اختزال مخل لمعنى الرياضة.
لنتأمل القياس الإنساني العميق:
لو كان في عائلتك أب أو أخ
أو أيُّ قريب
يعاني من ضعف ما، أو يواجه خصماً أقوى منه بكثير في الإمكانات،
فهل تخذله وتشجع خصمه لمجرد أنه أقوى؟ بالتأكيد لا. إن الفطرة السوية،
التي نادت بها كل القيم النبيلة، تقتضي الوقوف مع 'الأهل' في أوقات عثراتهم قبل انتصاراتهم. فالتشجيع ليس مجرد استمتاع بالمهارة، بل هو تعبير عن الارتباط بالهوية والدم والمصير المشترك.
ثانياً: حب الوطن في منظور النبوة
لقد أراد الله عز وجل ورسوله الكريم ﷺ أن يكون حب الوطن والارتباط بالأهل والأشقاء ركيزة من ركائز المؤمن. فحب الوطن ليس شعاراً عاطفياً، بل هو وفاء وانتماء ومسؤولية.
لقد ضرب النبي ﷺ أروع الأمثلة في حب موطنه، وعلمنا أن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً.
إن دعم المنتخب الوطني أو منتخب 'الأشقاء' في المحافل الرياضية هو تجسيد لهذا الرابط الإيماني والوطني. فالمؤمن الحقيقي لا يتخلى عن قومه ولا يخذل أشقاءه في لحظة ضعف،
بل يظل ظهيراً لهم، يدعو لهم بالتمكين ويقف بجانبهم في مواجهة التحديات.
إن حب الوطن كما أراده الإسلام يعني أن نكون عوناً لبعضنا البعض، وأن نرى نجاح الشقيق نجاحاً لنا، وإخفاقه جرحاً في جسدنا الواحد.
ثالثاً: التعصب الرقمي وواجب الوعي
في ظل الصخب الرقمي الذي نعيشه، بات من السهل أن نقع في فخ المواقع التي تقتات على الفتنة. إن ما نراه من هجوم إلكتروني ليس دائماً انعكاساً لضمير الشعوب؛ فخلف كل 'تغريدة' أو 'تعليق' عدائي، تقبع خوارزمية صُممت لتثير غضبنا، وتغيب عقولنا عن رؤية الروابط التاريخية والجغرافية التي تجمعنا.
إن مسؤوليتنا اليوم تتلخص في أنسنة الآخر؛ أي أن ندرك أننا نتحدث مع إخوة لنا، وليس مع خصوم وجوديين. إن النقد الفني سواء لأداء لاعبين أو مدربين حق مشروع،
لكنه يظل في إطاره، ولا ينبغي أن يمتد ليشمل الرغبة في 'هزيمة' من تربطنا بهم أواصر المودة والأخوة.
الأخلاق أولاً
إننا، وإذ نؤكد أن تلك الآراء الفردية لا تعبر عن وجدان شعوبنا الأصيلة، ندعو إلى ارتقاءٍ فكري يعيد للرياضة رسالتها السامية. فالهدف ليس في مهارة الأقدام فحسب، بل في سمو الأخلاق.
لنجعل من كل مباراة فرصة لتعزيز الأخوة لا هدمها، ولنستحضر في قلوبنا قول الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}.
، يقول النبي ﷺ: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا وشبك بين أصابعه ويقول ﷺ: من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ويقول ﷺ: والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.
{قال رسول الله صلى الله عليه و سلم(مثل المؤمنين في توادهم و تراحمهم و تعاطفهم مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّىّّ)رواه مسلم
فحب الوطن ونصرة الأشقاء ليست مجرد كلمات، بل هي مواقف ثابتة، تظهر في وقت الأزمات والضعف، أكثر مما تظهر في أوقات الفوز والرخاء.
الإنسان أغلى من النتيجة:
في نهاية المباراة، ستنتهي التسعين دقيقة، وتذهب النتيجة، ولا يبقى إلا ما زرعته في قلوب الآخرين. هل تود أن يُذكر عنك أنك كنت مشجعاً محباً للأخلاق أم محرضاً على الكراهية والبغضاء؟
ليس في عدد الأهداف في شباك الخصم، بل في سلامة الصدر من الغل والحقد تجاه الآخرين.
معضلة اللعبة الحلوة.. هل نُشجع الخصم؟:::::::
قد يطرح البعض سؤالاً يبدو منطقياً في ظاهره: لو كان منتخب السودان الحبيب التي نحب هو الذي يلعب ويفوز، وأمامه منتخبات العالم ذات الإمكانيات الجبارة والمهولة، هل تقف وتشجع الخصم لأن لعبته حلوة؟ أليس من حق عاشق كرة القدم أن ينحاز للفن والمهارة بغض النظر عن هوية الفريق؟
هنا يجب أن نوضح فرقاً جوهرياً بين المشاهد الناقد و المواطن المنتمي. إن الاستمتاع بجماليات كرة القدم ومهارة الخصم هو تصرف 'فني' سليم ومقبول،
بل هو دليل على الروح الرياضية.
لكن، أن يتحول هذا الاستمتاع إلى تشجيع للخصم ضد منتخب بلدك أو بلد عربي، فهذا يعني أنك نزعت عن نفسك رداء الانتماء وارتديت رداء المحايد.
إن كرة القدم حين يشارك فيها منتخب بلادك تتحول من مباراة فنية إلى قضية شعورية. التشجيع هنا ليس تحليلاً للأداء، بل هو فعل انحياز عاطفي. إننا لا نشجع منتخبنا لأنه الأقوى تقنياً، بل لأنه يمثل نبضنا في الملعب، وجزءاً من هويتنا. فالخوف على منتخبك، والغيرة عليه، والدعاء له، هي مشاعر لا يمكن لمهارة الخصم أن تُلغيها أو تُبدلها.
هانم داود












































