اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦
د. بدر بن سعود
الإشكالية في السوشال ميديا أنها تكرّس 'وهم البطولة الرقمية'، وتجعل المستخدم يتصور أنه يمارس حريته المطلقة في النقد والتعبير، وهو في الواقع يعيد إنتاج ظاهرة 'المغفل النافع' المنسوبة للزعيم السوفيتي فلاديمير لينين، ويجنّد نفسه كذخيرة في بندقية أعدائه، وينقاد بشكل أعمى لأوامر خوارزمية مبرمجة، تعمل في الأساس على اختطاف الوعي العام وإغراقه في الفوضى..
معهد أكسفورد للإنترنت أصدر يوم الإثنين 26 أكتوبر الماضي، تقريراً كشف فيه عن رصد شبكات منظمة تضم مئات الآلاف من الحسابات الوهمية الموجهة لاستهداف الرأي العام في المملكة، وأشار إلى أن ما قامت بنشره من معلومات مضللة تجاوز 300%، مقارنة بأرقام 2025، وبميزانية تشغيلية لتمويل هذه الهجمات قُدرت بنحو 150 مليون دولار سنوياً. وهذا الاستهداف يمثل امتداداً لمصطلح 'الطابور الخامس' الذي أطلقه الجنرال إميليو مولا في 1936 خلال الحرب الأهلية الإسبانية لوصف القوات الخفية التي تعمل على إثارة الشك وتحطيم المعنويات من الداخل، وفي الوقت الحالي، ترك 'طابور مولا' أدواته التقليدية لصالح السوشال ميديا، واستخدمها في التأثير على قناعات الناس، عن طريق خوارزميات متقدمة قادرة على تحليل السلوك وتوجيه الرسائل المسمومة لتزييف الإجماع الشعبي.
هذه العمليات لا تدار بعشوائية، والدليل ما حدث في الأسبوع الأخير من سبتمبر الماضي، عندما نظمت خلايا إعلامية موجهة من أطراف إقليمية، هجوماً منسقاً على منصة 'إكس'، استهدفت فيه التشويش على احتفالات اليوم الوطني السعودي. وقد تم تنفيذ ذلك عن طريق توظيف خوارزميات مبرمجة على نشر أكثر من نصف مليون مشاركة آلية في توقيت متزامن، وبالاعتماد على تقنية 'التضخيم المصطنع' لرفع هاشتاغات محددة، مع تدوير مقاطع فيديو مجتزأة وحوادث قديمة لتصويرها وكأنها جديدة، ورسم صورة مستفزة وغير واقعية عن المجتمع المحلي، في محاولة لخلق حالة من عدم الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.. وما سبق قد يستدرج المستخدم العادي إلى تبني السردية المصنوعة، ويحوله دون قصد إلى سلاح موجه نحو مجتمعه.
بعيداً عن التحليلات المستهلكة، ولفهم أبعاد المشهد الحالي، يجب أن نقرأ الظاهرة من زاوية 'الحرب المعرفية'؛ كمفهوم استراتيجي ظهر في وثائق حلف شمال الأطلسي عام 2021، ووصف العقل البشري أنه ساحة المعركة الأساسية. وللسيطرة عليه، اتجهت هذه الهجمات إلى ممارسة استغلال بيولوجي دقيق، حيث قامت ببرمجة الخوارزميات لاستهداف مراكز الانفعالات والمخاوف في الدماغ البشري، وضخ محتوى يحفز القلق والغضب المستمر. وتوصلت دراسة لجامعة 'كامبريدج' نُشرت في 2023، إلى أن الحسابات الوهمية تنجح في تضليل الجماهير بتوظيف آلية تُعرف بـ'الإنهاك المعرفي'. وبالتالي فإغراق المنصات بـ500 ألف مشاركة موجهة لا يتوقف عند حد التشويش، وإنما يعمل على إحداث شلل إدراكي يعطل التفكير المنطقي عند المتلقين، ويدفعهم لاتخاذ مواقف حادة بناءً على وقائع غير صحيحة.
هذا الشلل الإدراكي في مسار الحرب المعرفية، يحول المواطنين إلى أدوات تدمير ذاتية، ضمن ما يسمونه في الدراسات الأمنية بـ'التضليل التشاركي'. وقد أوضح تقرير لـ'مرصد ستانفورد للإنترنت' صدر عام 2021، أن الجيوش الآلية لا تنشر الشائعة وتراقب مسارها، ولكنها تقوم بإشعال شرارتها الأولى، وتترك للمستخدمين الحقيقيين مهمة ترويجها المجاني. وهؤلاء يتكفلون بإعادة الإرسال والتفاعل، لأنهم غاضبون ومنفعلون، وهو ما يحيلهم إلى طابور خامس، ينفذ مخططات الخصوم بإرادته الكاملة. وفي هذه المرحلة، ينتقل المتلقون من مجرد مستهلكين للسردية المفبركة، إلى شركاء في إنتاجها وتوزيعها في أوساطهم، بحجة أنهم يمارسون نقداً مشروعاً، بينما هم في الواقع يعملون بالوكالة عن آخرين ضد مصالح أوطانهم.
سوق الشائعات الرقمية ليست مسرحاً عبثياً، والصحيح أنها تمثل اقتصاداً قائماً بذاته، يعود على مصدري الشائعة بمكاسب جيوسياسية ومالية وبلا تكاليف تذكر، في مقابل إلحاقه أضراراً بالغة على من يستهدفهم.. ولعل حادثة انهيار 'بنك وادي السيليكون' الأميركي في مارس 2023، تقدم مثالاً حياً على هذا الخطر، لأنه لم يسقط نتيجة إفلاس تقليدي، ولكن استجابة لحالة ذعر جماعي بدأتها مجموعات من المستثمرين عبر منصة 'إكس'. وفي أقل من 48 ساعة، سُحب من البنك ما قيمته 42 مليار دولار، لتسجل كأول سابقة انهيار مصرفي بفعل الإنهاك المعرفي على السوشال ميديا. والتضليل تجارة مربحة جداً، وقد كشف تقرير 'المؤشر العالمي للتضليل' لعام 2019، أن مواقع الأخبار الكاذبة تحقق سنوياً قرابة 235 مليون دولار من إيرادات الإعلانات وحدها. وتؤكد الأرقام السابقة أن المشاركات المنفعلة التي يمنحها المتلقون، تتحول فوراً إلى فواتير عالية تدفعها الأوطان، وأرباح صافية تذهب لأرصدة الخصوم.
الإشكالية في السوشال ميديا أنها تكرس 'وهم البطولة الرقمية'، وتجعل المستخدم يتصور أنه يمارس حريته المطلقة في النقد والتعبير، وهو في الواقع يعيد إنتاج ظاهرة 'المغفل النافع' المنسوبة للزعيم السوفيتي فلاديمير لينين، ويجند نفسه كذخيرة في بندقية أعدائه، وينقاد بشكل أعمى لأوامر خوارزمية مبرمجة، تعمل في الأساس على اختطاف الوعي العام وإغراقه في الفوضى.. والمعنى أن الانتصار الحاسم في صراعات المرحلة الحالية، لا يمكن تحقيقه بالاشتباك والملاسنات الافتراضية، وإنما بتطوير مناعة التجاهل وإماتة الأزمات المصنوعة في بداياتها. فالامتناع عن الكلام عند الاستفزاز الموجه لا يعبر عن سلبية أو انهزام، ولكنه خط الدفاع الأول الأكثر قوة، وأنبل درجات العمل الوطني، لإبطال مفعول الألغام المعرفية قبل انفجارها.










































