اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ١١ أب ٢٠٢٦
تعجّ مواقع التّواصل الاجتماعي بكلّ شيء، بالمحظور والمباح. قد نصادف فيها محاضرات في الأدب أو علم الفلك، عن الشعوذة أو الطبّ، نصغي فيها إلى موسيقى أو نشاز، قد نلاقي بين جنباتها أرشيف صوّر أو حكايات، قد نعثر فيها على صديق قديم أو آخر جديد، كما يمكن أن نطالع فيها فتاوى في الدّين أو السيّاسة أو نتعلم منها مسالك الهجرة غير الشرعية.
وفي الجزائر ظهر دكّان جديد على مواقع التواصل، أنشأه ما يطلق عليه «مؤثّرون»، إنهم شباب يتجاوز عدد متابعيهم مئات الآلاف، وهذا الدّكان الجديد لا يدعو إلى أمر، بل ينهى عنه، فقد انطلقت بشكل مفاجئ وكذلك صارخ حملة منظمة، وكأنها جرى الاتّفاق عليها سلفًا، في منع الرّجال من ارتداء تبّان السباحة (أو المايوه أو ما يطلق عليه في العاميّة: شورت).
لقد أنهى هؤلاء النّاشطون عملهم الدؤوب في إخفاء جسد المرأة، في منعها من السباحة إلا بالبوركيني، في تغييبها من الفضاء العامّ وتجريم خروجها إلى الشّارع في المساء، بتخوينها أو تخويفها، ثم التفتوا إلى الرّجال، فصار الرّجل الجزائري يشعر بحرج أن يقفز إلى الماء وهو يرتّدي تبّانًا، كما جرت عليه العادة، فيما سلف، بل بات عليه أن يلبس سروالا يدنو أسفل الرّكبة، كما لا يصحّ أن يسبح بصدر عارٍ، بل عليه أن يرتدي قميصًا خشية أن تصيبه فتوى بتحريم فعلته.
لقد تحوّلت مواقع التّواصل من حيّز للتواصل، من بيئة خصبة نشاهد فيها المضحك والمبكي من فيديوهات، تحوّلت إلى دكّان يصدر الفتاوى، وهي فتاوى لا نعلم مصدرها ولا سندها، بل المعلوم أن الجزائر تتوافر على مجلس إسلامي أعلى، وهو مجلس يراهن على الوسطية والاعتدال ونشر قيّم التسامح والتّعايش والمحبّة.
كما إن البلاد يوجد فيها عميد للجامع الكبير، وهو رجل دين مشهود له بالعلم والكرم، وتتوزّع في البلاد طرق صوفية تعين النّاس على ما استشكل عليهم في شؤون العقيدة، وتوجد كذلك قناة القرآن الكريم، وهذه المؤسسات كلّها لم تفت في تحريم لبس التّبان، ولم تحرّم على الرّجل السباحة بصدر عارِ، لكن هؤلاء النّاشطون على الفيسبوك ينسبون إلى أنفسهم ما ليس لهم، يطلقون الفتوى وكأنهم من خريجي الأزهر.
مع العلم أن أفضل واحد منهم لا يتعدّى مستواه الثّانوية العامّة. إنهم متحّدون في خطاب واحد، هذه الأيام، في تحريم لبس بعينه على الرّجال، من باب الحفاظ على العادات والتّقاليد، كما يقولون، ومن باب صون الأخلاق يضيفون، لكن لم نر سندًا لكلامهم، بل الغاية من هذه الحملة إنّما جمع أكبر عدد ممكن من اللايكات، وقد أفلحوا في خطّتهم.
إن الجزائر الرسمية التي لا تغالي في الدّين، بل تنحاز إلى التّسامح، تجد نفسها في الساعة الحالية تحتشد بشباب أكثر تشدّدًا من الآباء، وهؤلاء شباب يقيسون أخلاق الرّجال بحسب السروال الذي يرتديه. لا يناقشون الإنسان على علمه أو معرفته، لا يبالون بزاده في الثّقافة أو في التّقوى، بل الإنسان الصالح أو الطالح يقاس بحساب مقاس سرواله، كلّما زاد السروال قصرًا زادت أخلاقه سوءًا كما يعتقدون.
عندما نسأل شابًا في الجزائر ما هي الحقبة من الماضي التي تتمنّى العودة إليها والعيش فيها، فإنه يجيب من غير تردّد: سنوات السبعينيات من القرن الماضي. عندما كانت البلاد تعيش أزهى أيّامها، كانت قاعات سينما في كلّ مكان، والسلم مستدام، والقدرة الشرائية في أعلى مستوياتها، سوف يتحدّث ذلك الشاب عن فضائل العيش في تلك الحقبة، لكنه يتفادى التعريج على تفصيل هامّ، ففي تلك الأثناء كانت النّساء يسبحن في البحر بالبيكيني دون حرج، والرّجال يرتدون التّبان القصير من غير أن يعترض طريقهم أحدهم بكلام مسيء، في ذلك الزّمن لم تكن توجد فتاوى في تحريم اللبس.
إن الجزائري الجديد، ونقصد من هذه الكلمة أولئك الشباب الذين أتيح لهم صوت بفضل مواقع التواصل، هذا الجزائري الجديد يريد أن ينعم بما تنعم فيه دول غربية، من مدارس ومستشفيات ومن وسائل ترفيه، لكن شرط أن تتوارى المرأة خلف السواد، وأن يستر الرّجل ساقيه.
هناك من يظنّ أن الدّين ينحصر في الأزياء ويتكّلون في حملاتهم في التضّييق على كثرة اللايكات والتعليقات، لا على برهان أو دليل.
إن هذا التعصب المفرط فيه يبعث على الحيرة، وهناك من يعلّل الأمر بمناهج المدارس أو برامج الإعلام، لكن الأمر أبعد من ذلك، إنه تديّن مستوّرد من خارج البلاد، ووصل إلى الدّاخل عن طريق الـ»سوشيال ميديا».
صار الجزائري الجديد ينوب عن مؤسسات الدّولة في تعميم فتاوى سمع عنها في بقاع تبعد عنه آلاف الكيلومترات، وهي فتاوى تتعارض مع الهوية الوطنية المنفتحة والمتصالحة مع ذاتها.
لقد تراجع تسامح الأديان خطوة إلى الوراء، وبات النّاس يظنون في الدّين هو ما يأتي على ألسنة شيوخ يعيشون في مجتمعات لا صلة لها بالحالة الجزائرية.
وبعد إخفاء المرأة ثم تحريم التّبان على الرّجل، ما هي الخطوة القادمة التي ينوي عليها جمهور الدّين في الفيسبوك وتيك توك؟ قبل أن يبادروا إلى خطوة أخرى سيكون من المفيد أن تخرج مؤسسات الدّين من عطلتها، تصحح الأوضاع وتوجّه الرأي العام، بدل أن يصير النّاس في قبضة كمشة تحرّك الآراء على هواها، مستفيدة من مواقع التوّاصل الاجتماعي.












































