اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٢٢ أيلول ٢٠٢٦
أتصفّح مواقع التوّاصل بحثًا عن أعمال فنيّة جديدة، أقتفي أثر أغنية أو مقطوعة من شأنها أن تملأ السمع وتداوي الرّوح وتعدّل مزاج القلب، لكن الحيّز الافتراضي في الجزائر يئن تحت وطأة أغاني «الرّاب»، وكلّ يوم يلمع اسم مغنٍ جديد، بل كلّ يوم تطفو أغنية جديدة، فالتسجيل لم يعد عملية عسيرة، لا يحتاج إلى أستديو أو تجهيزات، بل يقتصر على موبايل وتطبيقات على أيفون أو أندرويد، كما إن كلّ شاب يودّ أن يصير نجمًا بالحدّ الأدنى من الجهد وفي وقت وجيز، إنهم يتكاثرون مثلما يتكاثر الجراد في موسم الحصاد، وبات من الصعب إحصاء عددهم.
وهذه الموسيقى هي أسهل نمط يمكن أن يلج إليه أحد، يتعلمونها في خمسة أيّام مثل من يتعلّم السباحة في بركة، ثم يطلقون أعمالًا تعجّ بثقة في النّفس. بل منهم من يصوّر فيديو كليب ويعلن نفسه أيقونة جيله!
ومن عجائب الأمور أن كلّ مغني راب لا يفتأ أن يصير بدوره واحدا من المؤثرين على الـ»سوشيال ميديا»، فبعد أغنية أو اثنتين ينخرط في البثّ المباشر مع المشاهير، في جمع المتابعين ويدلي برأيه في شؤون السيّاسة والمجتمع، بل من المتابعين من يعتدّ برأيه. فقد أتاحت المنصات الرّقمية صوتًا لمن لا يعرف الغناء، لمن لا يعرف ضبط إيقاع ولا سلالم موسيقية. بل أتاحت هذه المنصات كذلك جمهورًا، يصغي إلى المقاطع المسجلة من غير نقد أو تمحيص، لأن رواد المواقع لا وقت لهم في الأخذ والردّ، لا مجال لهم في تحليل أو تفكيك، بل يستهلكون ما يصل إلى أذانهم ثم يمضون في طريقهم.
وفي هذا الجوّ يبدو أن من السهل إصدار أغنية راب في الجزائر بمثل سهولة تناول جرعة ماء.
وعندما أحاول أن أدنو من هذه الأعمال التي تطوف في «تيك توك» أو «يوتيوب»، يتراءى لي أنني أصغي إلى كلّ شيء عدا الموسيقى.
فهؤلاء الشباب الجدد لم يتعلّموا الفنّ من معهد ولا من مدرسة في الاختصاص، بل تعلموها من الموبايل ومن الإصغاء إلى فنانين يكبرونهم سنًّا، ويظنون أن مجرد الإصغاء من شأنه أن يجعل منهم مغنين بدورهم. وأول امتحان يسقطون فيه هو «الفلو»، ونقصد من هذه الكلمة الموسيقية هي طريقة انسياب الكلمات على الإيقاع.
فالعامل المشترك بين هؤلاء الذين يقتحمون الرّاب أنهم يظنوّن فيها أغنية تصبّ فيها كلمات على إيقاع بعينه وكفى. مثل من يصفّ حجارة على الإسمنت. يتخيّلون أن الإيقاع المقتبس من الانترنيت (بحكم أنهم لا يُلحنون) يتناسق مع أي كلمات يضيفونها إليه.
هكذا ينحصر عمل «الرابر» في كتابة استعجالية من غير تفكير في عملية التلاؤم مع اللحن.
ومن أجل إخفاء هذا العجز في «الفلو» يلجأون إلى مؤثرات صوتية. إذا سحبنا المؤثرات من الرّابر فلن يبقى له شيء، سيجد نفسه عاريًا إزاء المستمعين، ونصغي إلى موال من الصراخ والعويل، لكن من فضائل الـ»سوشيال ميديا» والتكنولوجيا الجديدة أنها أتاحت لهم «فلتر»، أو بالأحرى غربالًا، في التعتيم على سوء الأداء الصوتي، وبالتّالي يفلحون في الرّفع من أرقام المشاهدات.
من الأخطاء الشائعة بين المغنين الجدد أنهم يربطون بين السرعة والطّاقة، يراود بالهم أن الإسراع في أداء الكلمات يدل على قوة الأغنية ويزيدها طاقة، وهذا الأمر يودي بهم إلى إفشال مسعاهم دون شعور. صحيح أن الأداء السريع من شروط «الرّاب»، لكن المبالغة في السرعة، كما نشهده في الآونة الأخيرة، يحيلهم إلى عدم وضوح في الكلمات، وإلى سوء في النّطق وفي مخارج الحروف. إلى درجة أن المستمع لا تبلغ أذنيه الكلمة كاملة، بل منقوصة.
كما إن ضعف النّطق الذي يعانون منه يجعلهم يبتلعون بعض الحروف، إلى حدّ لا يتاح لأحد أن يفهم ماذا يقولون في بعض الأحيان.
ويضاف إلى هذا الخطأ كثرة المؤثرات الصوتية، والتي صارت مثل المتلازمة لا تخلو منها أغنية واحدة، بما يجعل الإيقاع أعلى صوتًا من الكلمات، ولا نعلم لمن تعود حقوق ملكية الأغنية: هل للأنترنيت التي اختلسوا منها الإيقاع أم للمغني نفسه والذي لا نسمع كلماته كاملة؟ من غير أن نغفل عن خطأ آخر يتعلّق بنبرة الصوت، وعجزهم على تغيير النّبرات في الأغنية الواحدة. حيث إنه تصدر نبرة واحدة على طول المقطع كاملًا، مما يعجل بإجهاض الأغنية قبل أن تكتمل.
والسبب في الإسراع وكذلك في العجز على تغيير النّبرة في الأداء يعود بالأساس إلى عدم تدرّب المغني على التّنفس أثناء الوقوف أمام الميكروفون، بل يصل إلى الأغنية من دون تحضير ولا علم له بشكلي الشهيق والزّفير أثناء الغناء، مع عدم احترام الإيقاع الذي يسير عليه، وهذه الحالة تفرز مغنٍ يفرط كذلك في أداء عاطفي بما يتناقض مع تعريف أغنية الرّاب. هكذا إذن يتراءى مشهد الموسيقى في الجزائر، على المنصات الرّقمية، رخوًا وغير قادر على الثّبات، فهي أغانٍ ولدت وكبرت في الـ»سوشيال ميديا»، وصار أصحابها من المؤثرين في الرّأي العامّ في وقت لاحق، لم يدخلوا يومًا إلى أستديو للتعلّم، بل للتّسجيل مباشرة، يراهنون على تكرار كلمات بعينها وعلى الحشو وعلى المؤثرات في الرّفع من أرقام المستمعين.












































