اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٢٦ أيلول ٢٠٢٦
سبحان الله العظيم الذي قدر المقادير، وجعل الحياة اطوارا، ولكل طور منها ما يناسبه ويصلح له. وقد يكون بعض هذه الاطوار ابتلاء عظيما يصيب المرء، لا ليكسره، بل ليقوده، من حيث لا يدري، الى رؤية الحقيقة كما هي، حقيقة الحياة، وحقيقة الناس، وحقيقة الظلام، وحقيقة النور.
ودعني اتوقف هنا عند حقيقة النور، كما شهدتها بعد ان مر بي ما كان.
ادركت ان حقيقة النور لا يمكن ان ترى بكامل ضيائها وتفاصيلها، الا بعد الولوج التام في الظلام، بكل كيانك، وبكل ما تحمل من معطيات ومقومات وسطوة وعزة، وبعد ان ترى ذاتك على حقيقتها، مجردة من كل ما كنت تظنه قوة او يقينا او قدرة على الاحتمال.
فالمرء قد يركض طويلا خلف سراب يظنه نورا، وقد يخلط بين بريق الاشياء وحقيقة النور، وبين ما يبعث في النفس نشوة عابرة، وبين ذلك النور الذي يهدي الانسان الى ذاته والى ربه. وقد لا يكتشف الفرق بينهما الا حين يسقط عنه كل ما كان يستند اليه.
وحين يلج الانسان حدة الظلام، ويبلغ موضعا لا يعود فيه قادرا على الاتكاء على شيء من حوله، يبدأ في الابصار بطريقة مختلفة. هناك، في اقصى العتمة، قد يكتشف ان النور لم يكن غائبا كما ظن، بل كان في داخله، ينتظر ان تتساقط الحجب حتى يراه.
النور الحقيقي لا يقودك الى الهروب من ذاتك، بل يعيدك اليها. يسوقك الى النظر في اعماقك، الى اصلها، والى تفاصيلها، والى حقيقتها التي ربما لم ترها من قبل. يجعلك ترى نفسك مجردا، بعيدا عن الصور التي صنعتها عن ذاتك، وعن الصور التي صنعها الآخرون لك، وعن كل ما كنت تظنه جزءا ثابتا من حقيقتك.
ثم يأتي ذلك الوقت الذي يأذن الله فيه للمرء ان يفهم ما جرى له.
عندها فقط، قد ينظر الى المحنة التي اثقلت قلبه يوما، فيراها بعين اخرى. يرى مرارتها، نعم، لكنه يرى معها ما حملته اليه من معرفة، وما ازاحته عن طريقه، وما كشفته له من حقائق، وما قادته اليه من قرب. ويدرك ان بعض النعم قد تأتي في صورة لا نحبها، وان بعض الابواب لا تفتح الا بعد ان تغلق ابواب كنا نظن ان نجاتنا متوقفة عليها.
وهنا يصبح الشكر مختلفا.
لا يعود الشكر مجرد كلمات تقال حين تأتي الامور كما نريد، بل يصبح اعترافا عميقا بالمنعم سبحانه، اعترافا يخرج من قلب ذاق الفقد، وعرف الضعف، وعبر الظلام، ثم ابصر النور.
انظر في اعماقك مجردا، وستجد ان هناك نورا لم تصنعه بنفسك، وان هناك قوة لم تكن تعرفها، وان هناك طريقا كان يتشكل في الخفاء، حتى وانت تظن انك تائه.
ثم ارض، واشكر.
اشكر لا لان المحنة كانت سهلة، ولا لان الالم لم يكن حقيقيا، بل لانك خرجت منها وانت تعرف عن نفسك وعن الحياة وعن ربك ما لم تكن تعرفه من قبل.
وربما ليس هناك شكر كامل يمكن للانسان ان يؤديه، بقدر ما يكون الشكر الحقيقي هو ان يعترف بالمنعم، وان يدرك ان يدا رحيمة كانت تسوقه، حتى في اشد لحظات الظلام، من ظلمة الجب الى سلطان المعرفة به سبحانه.
هناك فقط، يفهم المرء ان النور لم يكن في نهاية الطريق، بل كان الله يفتح له الطريق اليه، خطوة بعد خطوة.












































