اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٥ حزيران ٢٠٢٦
د. فهد إبراهيم البكر
يكفي لشرف هذا اليوم، وعظم أمره، أنه أعظم الأيام عند الله تعالى، ولشرفه أيضاً فإنه يسبقه يوم عظيم، ويعقبه يوم عظيم، إذ يتقدمه يوم عرفة الذي هو يوم الغفران، والعتق من النيران، كما يتأخره يوم القرّ، الذي هو ثاني أيام العيد، وقد أنزل الله تعالى في محكم تنزيله ما يشير إلى هذا اليوم العظيم، وهو يوم النحر، كما في قوله تعالى: «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ»، وقد فسرها المفسرون بأنها صلاة العيد، وذبح الأضحية تقرباً إلى الله تعالى. ومثل ذلك قوله جل وعلا: «وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ»، وقوله تعالى: «وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ»، وقوله تبارك وتقدّس: «وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ».
وفي الحديث النبوي ورد ذكر عيد الأضحى في مواضع كثيرة، فمن ذلك ما جاء عن أنسٍ رضيَ الله عنه، قال: «قَدِم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم المدينةَ، ولهم يومان يلعبون فيهما، قال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنّا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال: قد أبدلكم الله خيرًا منهما: يوم الأضحى، ويوم الفِطْر». رواه أبو داود والنَّسائي. وعن عبدالله بن قُرْطٍ -رضي الله عنه- أنَّ النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: «أفضل الأيام عند الله يوم النَّحر ويوم القرِّ». أخرجه أحمد، وأبو داود في المناسك، وغيرهما. وعن عائشة رضيَ الله عنها أنَّ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: «ما عمِلَ آدمِيٌّ مِن عمَلٍ يومَ النَّحرِ أحبَّ إلى اللهِ مِن إهراقِ الدَّمِ؛ إنَّها لتَأْتي يومَ القيامةِ بقُرونِها وأشعارِها وأظْلافِها، وإنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِن اللهِ بمكانٍ قبلَ أنْ يقَعَ مِن الأرضِ، فَطِيبوا بها نفسًا»، رواه التِّرمذيُّ، وابن ماجه.
ويرد عيد الأضحى في الأدب القديم في مواضع مختلفة، ومن جملة ما أورده الأدباء في مصنفاتهم في ذكر هذا اليوم الفضيل، ما ساقه ابن قتيبة (276هـ) في كتابه الأدبي المعروف (عيون الأخبار)، إذ أورد نصًّا من خطبة المأمون يوم الأضحى بعد التكبير الأول، هذا نصّها: «إن يومكم هذا يوم أبان الله فضله، وأوجب تشريفه، وعظم حرمته، ووفق له من خلقه صفوته، وابتلى فيه خليله، وفدى فيه من الذبح نبيه، وجعله خاتم الأيام المعلومات من العشر، ومتقدم الأيام المعدودات من النفر؛ يوم حرام من أيام عظام، في شهر حرام، يوم الحج الأكبر، يوم دعا الله إلى مشهده، ونزل القرآن بتعظيمه، قال الله جل وعز: وأذن في الناس بالحج؛ فتقربوا إلى الله في هذا اليوم بذبائحكم، وعظّموا شعائر الله، واجعلوها من طيب أموالكم..».
وفي كتابه (أدب الكاتب) يقدّم ابن قتيبة أيضاً بعض التعريفات المهمة حول هذا اليوم العظيم، فيقول: «ويوم (النحر)، يوم الأضحى، ويوم (القرّ) بعده؛ لأن الناس يستقرون فيه بمنى، ويوم (النفر) اليوم الذي بعده؛ لأن الناس ينفرون فيه متعجلين، والأيام (المعلومات) عشرة ذي الحجة، والأيام (المعدودات) أيام التشريق؛ سميت بذلك لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها». وقال ابن الأعرابي: «سميت بذلك؛ لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس».
وجاء في كتاب (الإمتاع والمؤانسة) لأبي حيان التوحيدي (400هـ)، ذكر لهذا اليوم، إضافة إلى قصائد المتنبي، وابن دراج، وابن زيدون، وابن خفاجة، وغيرهم من الشعراء، وللأندلسيين تحديداً أوصاف متنوعة لهذا اليوم طريفة. أما أدب رحلات الحج فباب واسع، وميدان كبير، ليس هذا مجال عرضه، وحسبنا الإشارة إليه، والختم به.










































