اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٦ تموز ٢٠٢٦
د. سعود المريشد
باتت اختناقات الحركة المرورية تستنزف الطاقة والوقت والصحة العامة، وتفرض تكاليف باهظة على استهلاك الموارد الاقتصادية نتيجة غياب الحلول العملية التي تسهم في انسيابية الحركة المرورية؛ وعلى هذا الأساس، آتت الخطوة الأخيرة المتمثلة في تطبيق «ساعات الدوام المرن» في القطاع الحكومي كاستجابة تنظيمية عاجلة تسعى لتخفيف الضغط المروري على طرق العاصمة الحيوية، ومنح الموظفين مساحة للتوفيق بين التزاماتهم الوظيفية ومتغيرات الطرق المفاجئة.
غير أن المراجعة الدقيقة لواقع الحركة المرورية تكشف عن حاجة ماسة لتسريع وتيرة الحلول الهندسية العاجلة التي تملكها الجهات التخطيطية كخيار مرحلي لحين الانتهاء من المشاريع المستدامة؛ فصناعة الفارق في الملف المروري لا يرتكز على محور واحد، بل يتطلب تكاملاً مؤسسياً يجمع بين مرونة تجاوب الإدارة وحزم التنظيم الميداني؛ فالأزمة المرورية بطبيعة مشاكلها الحيوية تتجاوز مفهوم ساعات الذروة التقليدية لتشتبك مع تفاصيل عيوب هندسية مستمرة وحلول تخطيطية غائبة ومشاكل ميدانية يومية؛ كما أن استثمار نجاحات تشغيل واستخدام وسائل النقل العام، يستلزم توازياً مع على سبيل المثال إعادة صياغة المداخل والمخارج الحرجة من وإلى الطرق الرئيسية، وتطوير الالتفافات الذكية، وربما توحيد مسارات الحركة المرورية بتحويل بعض الشوارع لاتجاه واحد؛ كما أن اختصار بعض الإشارات المرورية الفرعية لتقليل نقاط التوقف، بالتوازي مع ضبط توقيت الإشارات الرئيسية بما يتناسب مع التدفق الفعلي للمركبات لتوزيع حركتها عبر برمجة ذكية؛ هذا البعد التخطيطي يحتاج إلى حضور مروري فعلي ومواكبة ميدانية مستمرة في نقاط ومواقع الاختناقات الشائعة والطرق الحيوية لضمان انسيابية الحركة والتعامل الفوري مع العوائق المفاجئة؛ وفي نفس السياق، تبرز معطيات أخرى تضاعف من كثافة حركة السيارات وتفاقم من حدة الاختناقات، مثل التباين في الثقافات المرورية واختلاف الأنماط السلوكية لقائدي المركبات، والتنامي الملحوظ لمركبات النقل الخفيف والدراجات التابعة لقطاعات التوصيل التي تتطلب ضوابط مسلكية أكثر حزماً، فضلاً عن انتشار سيارات قديمة تفتقر للكفاءة الميكانيكية وتؤثر سلباً على وتيرة السير في الشرايين الرئيسية، ويضاعف من وطأة الازدحام اليومي على الطرق؛ وهو ما يقتضي من تكثيف الجهود الميدانية التي تضمن التحقق الصارم من جدارة قائدي السيارات وكفاءة المركبات، مع فرض هيبة النظام المروري لتقويض النزعات الفردية التي تتعامل مع الطريق العام كملكية خاصة مستباحة، أو تحول الشوارع إلى حقول تجارب وتدريب عشوائية لثقافات مختلفة، بالتوازي مع تكثيف أدوات الرصد والتحكم المروري السريع.
إن التجارب تؤكد أن الحلول التنظيمية القائمة على إعادة جدولة الوقت تظل أدوات مساندة آنية وليست هيكلية أساسية طويلة الأمد لمشكلة الاختناقات المرورية؛ بل أن الاختناقات المرورية تتجاوز نطاق ذروة ساعات العمل، والتي صنعت مرونته فرجة بسيطة في انسيابية الحركة المرورية لتزامنها مع انتهاء العام الدراسي، لكنها لن توجد حلاً جذريا لمسارات العاصمة المخنوقة بالمركبات؛ ولهذا نقول إن غياب آليات الحوكمة الدقيقة لمبادرة الدوام المرن قد يؤدي إلى انحرافها عن أهدافها، من خلال تحولها تدريجياً إلى وسيلة للحضور المتأخر، ما يفرغها من مضمونها التنظيمي؛ وعند ذلك فقط، تتحول مبادرة الدوام المرن من مجرد أداة لتوزيع العبء الزمني، إلى ركيزة أساسية ضمن منظومة تنظيمية وتخطيطية متكاملة تضمن للحركة المرورية مرونتها وحيويتها الاقتصادية والاجتماعية المستدامة.










































