اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٢ أذار ٢٠٢٦
أ.د. حمزة بن سليمان الطيار
من أهمّ المستحقين للدعاء ولاة الأمر، والدعاء لهم فيه منفعة عامة؛ لأن عافيتهم عافية للجميع، وبهم صلاح العباد والبلاد، فلا ينبغي لأحد منّا إغفال الدعاء لولاة أمرنا، بل علينا الإسرار والإجهار بها في كل المواطن كخطب الجمع والأعياد والصلوات والقنوت ونحو ذلك..
من كرمِ الله تعالى وفضلِه على عباده أن ندبهم إلى دعائه، وجعل دعاءَ الداعي زُلفى تقرِّبُه إلى ربِّهِ، فعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله تعالى عنهما، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلى الله عَليه وسَلم يَقُولُ: الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ، ثُمَّ قَرأَ: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)، أخرجه الترمذي، وصححه الألبانيُّ،
وتركُ دعاءِ الله تعالى إن كان على وجه الترفُّعِ والاستكبار فهو مهلكَةٌ تُردي صاحبَها في النارِ، كما يستفاد من قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ)، وإن كانَ على وجه التقاعسِ والتكاسلِ فهو من أسبابِ غضبِ الله تعالى على عبدِه، كما يدلُّ عليه حديثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليه وسَلم: (إِنَّهُ مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ)، أخرجه الترمذيُّ، وصححه الألبانيُّ، وقد عقده بعضهم في بيتٍ من الشعرِ فقال:
اللَّهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ
وَبُنَيُّ آدَمَ حِيْنَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ
والدعاءُ -كغيرِه من العباداتِ- لا تعودُ منافعه إلا للعبدِ الدّاعي، فهو المستفيد من انكساره لربّه ولجوئه إليه، والله تعالى غنيٌّ عن العبادِ وعن أعمالِهم، لا يزدادُ ملكُه بتضرعِ داعٍ، ولا ينقصُ بغفلةِ غافلٍ من عبادِه، ولي مع أهمية الدعاء وقفات:
الأولى: الدعاءُ تجارةٌ رابحةٌ، من استثمر فيها فقد اهتدى إلى درب النَّجاح، فإذا عرضَ للمسلمِ همٌّ، أو أهمَّتْه حاجةٌ يتوق إلى قضائِها، فلْتكُنْ أولى أولويّاتِه أن يُوفَّقَ في دعاء الله تعالى من أجل مهمَّتِه تلك، وليكن قلقُه منصبّاً على مسألةِ الدعاءِ، وإذا وجد من نفسِه إقبالاً على الدعاءِ، فهذه أُولى البشائرِ، فمن أُلهمَ الدعاءَ رُزِق الإجابةِ بإذن الله تعالى، ومن محاسنِ كلماتِ أمير المؤمنينَ عمر بن الخطابِ رضي الله تعالى عنه قوله: «إني لا أحمِلُ همَّ الإجابة، وإنما أحمل همَّ الدعاء، فإذا أُلْهِمْتُ الدُّعاءَ فإنَّ الإجابة معه»، ثم إن الإقبال على الدعاءِ لا بدَّ أن يصحبه مراعاةُ الشروطِ والآداب، ومن شروط قبول الدعاءِ الحرصُ على طيب المطعمِ؛ فإنَّ أكل الحرامِ يحجُب الدعاءَ، ومنها أن لا يكونَ الدعاءُ في إثمٍ أو قطيعةِ رحمٍ، ومنها أن لا يستعجلَ الإجابةَ وأن لا يُسيءَ الظنَّ بربِّه، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، فَيَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ رَبِّي فَلَمْ يَسْتَجِبْ لِي'، متفق عليه، ومنها عدم الاعتداء في الدعاءِ، فإنه ممقوتٌ، وقد قال تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)، قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: 'وَالِاعْتِدَاءُ فِي الدُّعَاءِ عَلَى وُجُوهٍ: مِنْهَا الْجَهْرُ الْكَثِيرُ وَالصُِيَاحُ، وَمِنْهَا أَنْ يَدْعُوَ الْإِنْسَانُ فِي أَنْ تَكُونَ لَهُ مَنْزِلَةُ نَبِيٍّ، أَوْ يَدْعُوَ فِي مُحَالٍ، وَنَحْو هَذَا مِنَ الشَّطَطِ. وَمِنْهَا أَنْ يَدْعُوَ طَالِبًا مَعْصِيَةً، وَمِنْهَا أَنْ يَدْعُوَ بِمَا لَيْسَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَيَتْرُكَ مَا دَعَا بِهِ رَسُولُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكُلُّ هَذَا يَمْنَعُ مِنِ اسْتِجَابَةِ الدُّعَاءِ)، انتهى كلامه مختصراً.
الثانية: للدعاءِ مواطنُ ومظانُّ إجابةٍ، يكون فيها أرجى، فينبغي للمسلم استغلالها، ومن فضل اللهِ تعالى كثرةُ هذه المواطن وتنوُّعها، فمنها السجودُ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ»، أخرجه مسلمٌ، ومنها الثلث الأخيرُ من كلِّ ليلةٍ، ومنها ما ورد في حديثِ أبي هريرةَ رضي الله تعالى عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: 'ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٍ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْوَالِدِ وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ '. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وصححه الألبانيُّ، ومنها الدعاءُ في ساعة يوم الجمعةِ، فينبغي للمسلم أن يكونَ حريصاً على استغلال هذه الفرصِ والإقبال على الدعاء فيها بقلبٍ خاشعٍ ولسانٍ صادقٍ.
الثالثة: لا يسوغ الإخلالُ بالدعاءِ لمن يستحقُّه منك، وفي طليعة مستحقيه الوالدان، فقد أمر اللهُ تعالى بالدعاء لهما، فقال: (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً)، ومن أهمِّ المستحقين للدعاء وُلاةُ الأمر، والدعاء لهم فيه منفعةٌ عامةٌ؛ لأن عافيتَهم عافيةٌ للجميعِ، وبهم صلاحُ العبادِ والبلاد؛ ولهذا كان من عقائدِ أهلِ السنّةِ والجماعةِ الدعاء لهم، كما قال الإمام الطحاوي في عقيدته المشهورة: (وَنَدْعُو لَهُمْ بِالصَّلَاحِ والمعافاة)، وقال بعض السلف: (فانصح للسلطان وأكثر له من الدعاء بالصلاح والرشاد في القول والعمل، فإنهم إذا صلحوا صلح العباد والبلاد بصلاحهم، وإيّاك أن تدعو عليهم فيزدادوا شرّاً ويزداد البلاء بالمسلمين)، فلا ينبغي لأحدٍ منّا إغفال الدعاء لولاة أمرِنا، بل علينا الإسرار والإجهار بها في كل المواطن كخطب الجمع والأعياد والصلوات والقنوت ونحو ذلك، ومن مستحقّي الأدعيةِ الأزواجُ والذريةُ فلا ينبغي أن يغفل عن الدعاء لهم، وقد أثنى الله تعالى على عباده بخصالٍ حميدةٍ منها قولهم: (رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً).










































