اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٣ أيلول ٢٠٢٦
حسين بن حمد الرقيب
أنفقت كرة القدم السعودية خلال السنوات الأخيرة مبالغ ضخمة لصناعة منتج قادر على جذب أنظار العالم، واستقطبت نجوماً كانوا حتى وقت قريب حكراً على الدوريات الأوروبية الكبرى. وقد نجحت هذه السياسة في رفع الحضور الإعلامي لدوري روشن، لكن الاقتصاد لا يقيس النجاح بعدد الأسماء ولا بحجم الإنفاق، بل بقدرة هذا الإنفاق على التحول إلى إيرادات مستدامة وقيمة استثمارية قابلة للنمو.
وهنا يبرز السؤال الأصعب: هل أصبح دوري روشن بالفعل بيئة جاذبة لرأس المال الخاص، أم أننا ما زلنا نبني منتجاً مرتفع التكلفة يصعب على المستثمر المستقل منافسة أطرافه؟
أولى الإشكالات تتعلق بحقوق البث. ففي الدوريات الكبرى تُعد الحقوق الإعلامية من أهم مصادر الإيرادات، وغالباً ما يتم تسويقها مركزياً لتحقيق أعلى قيمة ممكنة للبطولة. والمشكلة ليست في المركزية ذاتها، فهي نموذج معمول به عالمياً، وإنما في مدى انعكاس قيمة هذه الحقوق على الأندية، ووضوح آلية توزيع عوائدها، وقدرة النادي على زيادة حصته من الإيرادات من خلال أدائه وانتشاره وقيمته التجارية.
المستثمر لا يشترط أن يتفاوض منفرداً على حقوق البث، لكنه يحتاج إلى معرفة واضحة: إذا رفعت قيمة النادي، وزدت جماهيريته، وطورت منتجه الرياضي، فهل سينعكس ذلك بصورة ملموسة على إيراداته؟ أم أن أحد أكبر مصادر الدخل سيظل محدود التأثر بقراراته الاستثمارية؟
لكن المشكلة الأكبر ليست حقوق البث، بل تفاوت الدعم بين الأندية.
لا يمكن الحديث بجدية عن جذب المستثمر الخاص إذا كان سيدخل في منافسة مع أندية تتمتع بقدرات تمويلية ودعم مالي يفوق ما يستطيع القطاع الخاص مجاراته. فالمستثمر لا يخشى المنافسة، لكنه يخشى منافسة لا يعرف مسبقاً حجم الموارد التي سيواجهها ولا الحدود التي تقف عندها.
حين يضخ المستثمر مئات الملايين من رأس ماله، بينما يستطيع منافسه رفع إنفاقه بموارد لا ترتبط بالضرورة بإيراداته التشغيلية، فإن المشكلة لا تصبح رياضية فقط، بل تتحول إلى مخاطر استثمارية مباشرة.
رأس المال يبحث عن سوق يستطيع فيه قياس المخاطر وبناء توقعات منطقية للعائد. أما تفاوت الدعم بصورة كبيرة بين الأندية، فإنه يضعف عدالة المنافسة ويجعل تقييم الأندية أصعب، لأن القيمة لا تعود مرتبطة فقط بكفاءة الإدارة وقوة العلامة التجارية وقدرة النادي على توليد الإيرادات.
وهنا تكمن المعضلة: كيف تطلب من مستثمر خاص شراء نادٍ وضخ أمواله فيه، ثم تضعه في منافسة مع مستويات إنفاق قد لا يستطيع التحكم فيها ولا توقعها؟ فالخصخصة ليست مجرد نقل الملكية، بل بناء سوق يستطيع فيها المستثمر أن يربح إذا أدار جيداً، وأن يخسر إذا أخطأ، لا أن تصبح النتيجة مرتبطة بحجم الدعم الذي يحصل عليه منافسوه.
نعم، يجب تطوير الملاعب، وتعظيم إيرادات التذاكر والضيافة والمتاجر والرعايات والمنتجات الرقمية، وتحويل الجماهير إلى قيمة اقتصادية. لكن كل ذلك لن يكون كافياً إذا بقيت المنافسة المالية بين الأندية غير متوازنة.
دوري روشن نجح في جذب المشاهد، لكن جذب المستثمر أصعب بكثير.
المشاهد قد يأتي من أجل النجم، أما المستثمر فلن يأتي إلا إذا وجد سوقاً يستطيع فيها منافسة الجميع بالقواعد نفسها، ويرى طريقاً واضحاً من رأس المال إلى العائد.وهذا هو الاختبار الحقيقي لاقتصاديات دوري روشن.










































