اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة رم للأنباء
نشر بتاريخ: ٢٤ أيلول ٢٠٢٦
رم - د . مهدي مبارك عبد الله
بانتظار إجراء الانتخابات التشريعية الإسرائيلية المقبلة لانتخاب الكنيست السادس والعشرين والمقرر في 27 أكتوبر/ تشرين الأول 2026 لم يعد بنيامين نتنياهو يواجه مجرد أزمة انتخابية عابرة وإنما بات يقف امام أخطر مأزق سياسي في مسيرته الطويلة خاصة وان الرجل الذي بنى صورته على أنه الزعيم القادر على حماية إسرائيل من أخطار إيران وحزب الله وحماس وقيادة الحروب إلى النصر يجد نفسه اليوم محاصرا بنتائج هذه الحروب نفسها وبشارع إسرائيلي بدأ يسأل عن الحصيلة الفعلية لأكثر من عامين ونصف من القتال وعن الأمن الذي وعد به وعن النصر الذي ظل يتحدث عنه دون أن يتحول إلى واقع عملي ملموس .
المفارقة الكبرى أن نتنياهو دخل هذه الحروب وهو يراهن على تحويلها إلى رصيد سياسي طويل الأمد لكنه اصبح يواجه الآن النتيجة المعاكسة تماما سيما وان الجبهات لم تغلق والنصر الحاسم لم يتحقق وإسرائيل خرجت أكثر انقساما واستنزافا بينما تراجعت شعبية الليكود إلى مستويات غير مسبوقة وصعد غادي آيزنكوت رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق المولود لعائلة مغربية كأحد أبرز البدائل أمام الناخب الإسرائيلي وهو ما يعني أن لقب ( ملك إسرائيل ) الذي التصق بنتنياهو طوال سنوات لم يعد يوفر له الحماية التي كان يتمتع بها دائما.
الأخطر من ذلك أن الحرب مع إيران التي أراد نتنياهو أن يجعل منها أعظم إنجاز في سجله السياسي تحولت إلى اختبار قاس لقدرته على التأثير في واشنطن فقد كان يقدم نفسه باعتباره الزعيم الإسرائيلي القادر على توجيه السياسة الأميركية وإقناع رؤسائها بأن ما تريده إسرائيل هو ما يجب أن تفعله الولايات المتحدة لكن المشهد الان تغير بصورة واضحة وأصبح نتنياهو مضطرا إلى التعامل مع حسابات دونالد ترامب لا أن يفرض عليه حساباته. التصريحات الأميركية في اكثر من مرة كشفت عن تغير مهم في طبيعة العلاقة وترامب لم يعد يتعامل مع نتنياهو باعتباره شريكا يستطيع أن يفعل ما يشاء وإنما باعتباره حليفا يحتاج إلى أن يبقى تحت السيطرة فيما ذهب نائبه جي دي فانس إلى التأكيد بأن الولايات المتحدة هي الشريك الأكبر وإسرائيل هي الشريك الأصغر وهذه ليست مجرد عبارات دبلوماسية عابرة وإنما رسالة سياسية تحمل في داخلها الكثير من الدلالات حول حدود قدرة نتنياهو على المناورة في فناء البيت الابيض .
المشكلة الاهم بالنسبة لنتنياهو لم تعد في قوة خصومه داخل إسرائيل وحدهم وإنما أصبحت في حصيلة مشروعه كله حيث وعد الإسرائيليين بالقضاء على التهديد الإيراني ولم يسقط النظام الإيراني ولم ينته الخطر الذي كان يتحدث عنه كما وعد مرارا بإخضاع حزب الله بينما بقيت الجبهة اللبنانية مفتوحة ووعد بالقضاء على حماس وإنهاء المقاومة في غزة بينما ما زالت القضية الفلسطينية حاضرة بقوة كما أن استمرار الحرب نفسها تحول إلى عبء اقتصادي وعسكري واجتماعي يتزايد يوما بعد يوم .
في الداخل الإسرائيلي تتراكم علامات الإنهاك الشامل والحرب الطويلة تستنزف الجيش والاحتياط وتعمق الخلافات حول التجنيد وتقاسم أعباء الحرب وتزيد الاستقطاب بين العلمانيين والحريديم كما أن الاقتصاد يدفع ثمنا باهظا نتيجة الإنفاق العسكري وتراجع قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي والسياحة والاستثمار وهذه الأثمان اليومية ستكون أكثر تأثيرا في الناخب الإسرائيلي من كل خطابات نتنياهو عن الانتصارات التاريخية الموهومة بناء على ذلك يمكن فهم تمسك نتنياهو الشديد بإبقاء الساحات مفتوحة فهو يدرك أن انتهاء الحروب يعني انتقال المجتمع الإسرائيلي من سؤال الأمن إلى سؤال المسؤولية ومن سؤال الخطر الخارجي إلى سؤال من يتحمل مسؤولية إخفاق السابع من أكتوبر ومن المسؤول عن سنوات الحرب ومن سيدفع ثمن الخسائر السياسية والاقتصادية والعسكرية ولذلك فإن استمرار الحرب بالنسبة إليه ليس فقط خيارا عسكريا وإنما أصبح أداة للبقاء السياسي الاطول .
لهذا التصور المصلحي جاءت رسالة نتنياهو الأخيرة إلى الناخب الإسرائيلي واضحة حين حذر من أن خصومه إذا وصلوا إلى الحكم سيوقفون الحروب التي بدأها في غزة ولبنان وإيران وسوريا وبالتدقيق نجد ان المعنى السياسي لهذه الرسالة بسيط للغاية وهو أن من يريد استمرار الحرب عليه أن يصوت لنتنياهو وكأن استمرار ساحات القتال أصبح جزءا من البرنامج الانتخابي للمستقبل وأن اشاعة وترسيخ الخوف الدائم اصبح الضمانة الأخيرة لبقائه في السلطة.
حتى الحديث المتكرر حول امكانية القيام بعملية عسكرية جديدة في غزة بعد الانتخابات بات يحمل دلالة لافتة أكبر لان ذلك قد يعني في أحد وجوهه أن الاحتلال غير قادر في الوقت الحالي على تنفيذ عملية بالحجم الذي يريده نتنياهو وأن ثمة قيودا أميركية وسياسية وإقليمية تحول دون ذلك لكن الأخطر هو ما قد يحدث بعد الانتخابات إذا فشل نتنياهو في تشكيل الحكومة واحتاج إلى الحرب باعتبارها أداة لإعادة تجميع اليمين ودفع الأحزاب الصغيرة إلى الاصطفاف خلفه تحت شعار الخطر الأمني الداهم.
غير أن هذا السيناريو ليس سهلا كما قد يبدو فتنفيذ حرب جديدة في غزة يحتاج إلى تجاوز الموقف الأميركي وإلى إضعاف قدرة قطر وتركيا على التأثير في ترامب كما يتطلب كذلك فشل خصوم نتنياهو في تشكيل الحكومة وإلى وجود ذريعة أمنية كبيرة يمكن تسويقها أمام المجتمع الإسرائيلي والمعارضة والإدارة الأميركية ولهذا فإن نتنياهو لا يستطيع ببساطة أن يضغط على زر الحرب متى شاء لأن قراراته العسكرية أصبحت اليوم تحت رقابة داخلية وخارجية أشد من أي وقت مضى.
هنا تكمن المفارقة التي قد تكون قاتلة لنتنياهو لان الحرب التي يريد استخدامها لإنقاذ مستقبله السياسي قد تصبح هي نفسها السبب المباشر في نهايته فإذا اندفع نحو مغامرة جديدة فقد يصطدم بترامب ويخسر المزيد من الدعم الأميركي وإذا تراجع وقبل بالتهدئة فقد يواجه بن غفير وسموتريتش ويفقد تماسك ائتلافه وإذا انتهت الحروب وبدأت مرحلة الحساب فقد يجد نفسه أمام لجان التحقيق والملفات القضائية التي يخشى أن تتحول بعد خروجه من السلطة إلى تهديد شخصي حقيقي لدخوله السجن .
الثابت ان المعركة المقبلة لن تكون بين نتنياهو وآيزنكوت أو بين الليكود والمعارضة فقط وإنما هي معركة على مستقبل الرجل الذي جعل من الخوف والحرب عنوانا لحكمه الطويل خاصة وان معظم استطلاعات التي تضع الليكود في مستويات متدنية وتدفع آيزنكوت إلى صدارة المنافسة ليست مجرد أرقام انتخابية وإنما وقائع تعكس بداية تحول في مزاج الشارع الإسرائيلي الذي يريد معرفة ماذا حققت كل هذه الحروب وماذا دفع ثمنا لها ومتى تنتهي ويتوقف شلال الدم الاسرائيلي والفلسطيني .
عمليا قد يكون نتنياهو قادرا على تأجيل النهاية لكنه سيكون من الصعب عليه إلغاء أسبابها لان الحروب لا يمكن أن تستمر إلى الأبد من أجل إنقاذ سياسي واحد والتهديدات الخارجية لا تستطيع إلى ما لا نهاية أن تحجب الأسئلة الداخلية والإنجازات العسكرية لا يمكن أن تتحول إلى انتصارات سياسية بمجرد عرضها على شاشات التلفزيون واخبار الصحافة .
لقد أمضى نتنياهو سنوات طويلة وهو يقنع الإسرائيليين بأنه لا بديل عنه واليوم بدأت الحقيقة التاريخية تظهر بوضوح أكبر فكلما أطال الحرب بحثا عن خلاصه السياسي ازدادت كلفة الحرب على إسرائيل وكلما حاول الهروب إلى الأمام اقترب أكثر من النهاية ولذلك فإن المصير المحتوم لملك إسرائيل غير المتوج قد لا يأتي من صاروخ إيراني او مسيرة لحزب الله أو هجوم من غزة وإنما من صناديق الاقتراع ومن الحساب الذي تأخر طويلا.
اللافت ان ما يجمع عليه معظم المراقبين والمحللين ان نتنياهو السياسي المتخبط الذي جعل الحرب وسيلته الاهم للبقاء في كرسيه واستمرار سيطرته قد يجد نفسه في النهاية ضحيتها وان المعارك التي استخدمها لإطالة عمره السياسي بدأت تتحول إلى عبء يهدد بإسقاطه في هذه الجولة كما أن تراجع قدرته على التحكم بالقرار الأميركي شكلت ضربة مباشرة للصورة التي بنى عليها مكانته طوال عقود.
ختاما : يمكن القول ان نتنياهو المغرور بقوته ينتظر معادلة صعبة لم يعد يستطيع الهروب منها تتلخص بان الحرب التي أرادها جسراً إلى المجد السياسي الراسخ تحولت إلى عبء يلاحقه وان الهزائم التي حاول تغليفها بشعارات النصر أصبحت حاضرة في وعي الناخب الإسرائيلي بقوة وان العلاقة مع واشنطن لم تعد كما كانت في عز عهدها وان الشارع الغاضب بدأ يبحث عن بديل ولذلك فإن المعركة الأخيرة لنتنياهو قد لا تكون بين انقاض غزة ولا في جبال لبنان ولا في سماء إيران وإنما أمام صندوق الاقتراع الذي ينتظره بقسوة وهناك قد يكتشف نتنياهو هول الصدمة القاتلة بأن أطول حروبه كانت في المحصلة أقصر الطرق إلى نهايته السياسية الابدية , كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية [email protected]












































