اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٤ نيسان ٢٠٢٦
د. فهد إبراهيم البكر
التّرفّع عن الشيء مأخوذ من الفعل تَرَفَّع، وارتفع عن الشيء، وارتفع منه، وترفّع فلان عن أمرٍ ما: بذل جهداً في الابتعاد عنه. وهذا الفعل كـ(تقدّم، وتعلّم)، مصدره (تَرَفُّعٌ) بفتح الأول والثاني، وتشديد الثالث مع رفعه، وتستخدم هذه الصيغة للمطاوعة، وتدل على التدرّج في التجنّب والتَّرك. وكذا الأمر في (التخلي) فإنه من الفعل (خَلّى، يخلّي)، قال تعالى: «وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ». وهما قريبان في المعنى، فالترفع: الارتفاع عن كل ما نزل، والتخلي: ترك الشيء دون عود إليه.
لكن الترّفع قد يكون أخفّ من التخلي؛ ذلك أن الإنسان لا يترفّع إلا حينما يصل إلى قناعة تامة، ويشعر برضا داخلي عالٍ، يسوّغ له أن يرتقي عما هو أدنى منه، فيصعد عما هو دونه، بلا تكبر، أو فخر، أو زهو، فقد يترفّع الإنسان عن كل سيّءٍ، أو أمر غير جيد؛ لأنه لم يجد نفسه في المستوى الذي يرتضيه، أو أنه لم يجد المقام الذي يناسبه، ولا يعني هذا الفعلُ التَّكبّرَ بحال، فالتكبر فعلُ مذموم، يجعلك تحتقر غيرك وتزدريه، ولا ترى غيرك شيئاً، وهو صفة سيئة، تنافي المروءة، ولا تليق بالإنسان السويّ.
إنّ الترفّع اعتلاء بالنفس محدود، وهو أمر محمود، إذا كان في البعد عن الشرور، وهو مرادفٌ للتواضع حين يكون ممزوجاً بالثقة العالية، دون غمط أو لغط؛ ولذلك ارتبط الترفّع مع الأمور الإيجابية، والصفات الحسنة، فقالوا: «ترفّع فلان عما يسوء»، أو «ترفّع عن الخطايا، أو الرزايا، أو الدنايا»، أي أنه يربأ بنفسه عن الدخول في صراع، أو نقاش، أو جدال، أو إشكال، أو ما شابه ذلك؛ فمن هنا كان الترفّع عن كل ما هو سيّءٌ أمراً محمودًا.
أما التخلي فهو معنى قريب الشبه بالترفّع، في كونه يدل على الترك والابتعاد، غير أنه لا يكون مؤقتاً أو محدودًا، وإنما هو في الغالب ابتعاد دون رجوع، كما أنه قد يكون بترك شيء محبوب، أو يصعب التنازل عنه، وقد يجد فيه الإنسان شيئاً من الخسارات والانكسارات، وربما التحسر والندم؛ لأنه قد يجبر نفسه أحيانًا على نبذ ما كان يهواه، والابتعاد عما كان يألفه، كمن يتخلّى عن حبيبه، أو منزله، أو صديقه، أو ذكرياته، أو عاداته.
وأجمل ما يكون التخلي حين يكون مصحوباً بأدب وصمت، فليس هو في الابتعاد الغاضب، أو الترك الحانق، أو الهجر الممنوع، لكنه تجنّب للأذى مع حفظ المودةّ، وإبقاء للمحبة مع الازورار، ومفارقة للخلان عند تراكم الخذلان؛ لذلك كان التخلي صعباً، حتى قال فيه الشاعر العامي: «لو تخلَّيتْ وش لي بالحياة أرتجيه ... لو تخلَّيت ما عنَّك خفوقي تخلَّى».
ولقد أبدع الشعراء قديماً وحديثاً في شرح مفهوم الترفع، وقد بلغ أبو تمام الطائي (241هـ) الغاية في رسم صورة هذا المعنى في قصيدته الهمزية الشهيرة، حين قال معرِّضًا ببعضهم، ولم يصرّح بهجائه: «إِذا جارَيتَ في خُلُقٍ دَنيئاً ... فَأَنتَ وَمَن تُجاريهِ سَواءُ = رَأَيتُ الحُرَّ يَجتَنِبُ المَخازي ... وَيَحميهِ عَنِ الغَدرِ الوَفاءُ»، فاجتناب المخازي هو ذروة سنام الترفّع، وهو ضابط للترفع دقيق، ومعيار واضح للتطبيق.
ويترجم شاعر مغربي معاصر - وهو منير الدايري – شيئًا من مفهوم التخلي، وذلك في قوله: «أنا تخلّيتُ، حين شعرتُ أن حضوري يشبهُ الغياب، أنَّ قلبي يُنادِي... ولا يُسمَع. لكنّي سَمَحتُ (...) التخلّي، كانَ أنْ أقولَ: «أنا لستُ هنا لأُقاتل وحدي». والسماح.. أنْ أقولَ: «لكم طريقكم، ولي الضوء... إن تأخّر».










































