اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٤ كانون الثاني ٢٠٢٦
نجران - الثقافي
تمثّل الأنماط العمرانية القديمة في منطقة نجران نموذجًا متفردًا في العمارة المحلية، وتعكس عبقرية الإنسان في البناء وقدرته على تطوير حلول عمرانية متكاملة تنسجم مع البيئة الطبيعية، وتحقق توازنًا واضحًا بين البساطة الوظيفية والاستدامة. وقد اعتمدت هذه الأنماط على استخدام المواد المحلية المتوافرة، مثل الطين والحجر والأخشاب، التي جرى توظيفها بمهارة عالية وتحويلها إلى عناصر إنشائية ثابتة وراسخة، أسهمت في تشييد مبانٍ متماسكة استطاعت الصمود أمام عوامل الزمن والتغيرات المناخية، لتغدو مع مرور الوقت معالم تراثية وثقافية بارزة، ومحط اهتمام الباحثين والمستكشفين والمهتمين بتراث المنطقة العريق.
واتسمت العمارة النجرانية بحضور الجانب الجمالي في تشكيل المباني، من خلال لمسات هندسية دقيقة وزخارف متقنة شملت النقوش الداخلية والخارجية، وأسهمت في إبراز هوية المجتمع النجراني وتجسيد ملامح ثقافته وتقاليده المتوارثة عبر الأجيال. ولم تقتصر هذه العناصر الجمالية على البعد الشكلي فحسب، بل جاءت منسجمة مع الوظيفة المعمارية ومتطلبات المعيشة اليومية.
كما وثّقت الأنماط العمرانية القديمة بتفاصيلها الدقيقة ملامح الحياة اليومية للأهالي في الماضي، إذ شكّلت نسيجًا عمرانيًا واجتماعيًا متماسكًا عكس طبيعة العلاقات الاجتماعية السائدة، وأنماط التعايش، وأساليب المعيشة المرتبطة بالبيئة المحلية، وأسهم في ترسيخ قيم التعاون والتكافل بين أفراد المجتمع.
وللمجالس التقليدية حضور بارز في العمارة النجرانية، حيث أدّت دورًا اجتماعيًا وثقافيًا محوريًا، وشكّلت فضاءات لتبادل الآراء، واتخاذ القرارات، وتسوية الخلافات، إلى جانب كونها مجالس لتناقل الخبرات والمعارف بين الأجيال، ولا سيما بين كبار السن والشباب، بما أسهم في حفظ العادات والتقاليد وترسيخ القيم الاجتماعية الأصيلة.
وتحظى الأنماط العمرانية القديمة في منطقة نجران اليوم باهتمام وعناية متزايدين، من خلال مشاريع الترميم والتأهيل التي تراعي خصوصيتها التاريخية وقيمتها الثقافية والسياحية، حيث يُحرص على استخدام الأدوات والمواد ذاتها التي شُيّدت بها المباني في الأصل، حفاظًا على هويتها البصرية وطابعها التقليدي، وترسيخًا لمكانتها إرثًا ثقافيًا وركيزة أساسية في تعزيز الهوية الوطنية.










































