اخبار الاردن
موقع كل يوم -وكالة عمون الاخبارية
نشر بتاريخ: ٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦
وقفة تقدير أمام خطاب ملكي أعاد فلسطين إلى قلب الضمير الإنساني، واستحضر إرث مانديلا في مواجهة الظلم وازدواجية المعايير
في جنوب أفريقيا، الأرض التي كتبت بدماء أبنائها واحدة من أعظم صفحات النضال الإنساني ضد الفصل العنصري، كان لجلالة الملكة رانيا العبدالله حضور يتجاوز حدود المشاركة الرسمية، ليحمل رسالة إنسانية ودبلوماسية عميقة، تضع العدالة والكرامة الإنسانية وحقوق الشعوب في صدارة الخطاب العالمي.
ففي مشاركتها في افتتاح قمة «عالم شاب واحد» في مدينة كيب تاون، يوم 3 تشرين الثاني 2026، وأمام أكثر من 2200 قائد شاب يمثلون أكثر من 190 دولة، لم يكن خطاب جلالتها مجرد كلمة في مناسبة دولية، بل كان موقفاً أخلاقياً واضحاً من قضية فلسطين، ومن معاناة شعب ما زال يبحث عن حقه في الحياة والحرية والأمن والعدالة.
لقد اختارت جلالة الملكة أن تتحدث من جنوب أفريقيا تحديداً، حيث لا تزال ذاكرة العالم تستحضر نضال نيلسون مانديلا، ذلك الرجل الذي جعل من الحرية قيمة إنسانية لا تتجزأ، ورفض أن تكون كرامة الإنسان خاضعة للون أو عرق أو هوية أو جغرافيا.
واستحضرت جلالتها مقولة مانديلا عام 1997، بأن حرية جنوب أفريقيا لن تكتمل دون حرية الفلسطينيين. وهي رسالة تاريخية تؤكد أن النضال من أجل الحرية لا يمكن أن يكون انتقائياً، وأن المبادئ التي انتصرت في جنوب أفريقيا ينبغي أن تجد صداها في كل مكان يُحرم فيه الإنسان من حقوقه.
ما يميز خطاب جلالة الملكة رانيا أنه لم يكتفِ بوصف المعاناة الفلسطينية، بل تناول أيضاً قضية أخطر، وهي محاولات إسكات الأصوات التي تطالب بالعدالة، والتشكيك في دوافعها، وتصوير التضامن مع الفلسطينيين وكأنه موقف عاطفي يفتقر إلى الموضوعية.
وقد عبّرت جلالتها عن ذلك بوضوح حين قالت:
«الغضب من الظلم ليس ضعفاً، بل هو دليل على أنك تدرك ما يدور من حولك».
إنها رسالة بالغة الدلالة؛ فالحديث عن حقوق الإنسان لا ينبغي أن يتحول إلى نقاش حول هوية من يتحدث أو دوافعه، بل يجب أن ينصب على الحقائق والأدلة والانتهاكات وضرورة إنصاف الضحايا.
ومن هنا جاءت أهمية تأكيد جلالتها أن تجاهل الأصوات المطالبة بالعدالة يمثل ظلماً إضافياً، وأن تهميش الشهود والأطباء والصحفيين والعاملين في المجال الإنساني لا يلغي حقيقة ما يجري على الأرض.
وفي قلب خطاب جلالتها حضرت غزة بكل ما تحمله من وجع إنساني. غزة التي عانى أهلها من القتل والدمار والنزوح وفقدان المنازل والأحبة، والتي لا يزال أطفالها ونساؤها وكبار السن فيها يواجهون آثار حرب مدمرة، وسط احتياجات إنسانية هائلة تتعلق بالغذاء والماء والدواء والرعاية الصحية والأمان.
وقد توقفت جلالتها عند مفارقة مؤلمة، حين أشارت إلى أن آلاف الفلسطينيين خرجوا قبل عام إلى شوارع غزة المدمرة، معتقدين أن وقف إطلاق النار قد أنهى معاناتهم، ليكتشفوا أن ذلك الوقف، كما وصفته أكثر من مئة منظمة غير حكومية، «لا وجود له إلا بالاسم». إن هذه العبارة تختصر مأساة إنسانية لا يجوز أن تتحول إلى رقم في نشرات الأخبار، ولا إلى ملف مؤجل على طاولات السياسة الدولية.
فالطفل الفلسطيني ليس رقماً، والطبيب الذي يحاول إنقاذ حياة المصابين ليس طرفاً في الصراع، والمستشفى ليس هدفاً مشروعاً للتجاهل، والأسرة التي فقدت منزلها لا ينبغي أن تضطر إلى إثبات إنسانيتها للعالم.
وفي واحدة من أكثر العبارات تأثيراً في خطابها، قالت جلالتها:
«لستم بحاجة إلى معرفة الإحداثيات الجغرافية لمستشفى ما لتدركوا أنه لا يجوز قصفه».
إنها عبارة تضع الإنسانية في مكانها الطبيعي، وتذكر العالم بأن حماية المدنيين ليست قضية وجهات نظر، بل التزام قانوني وأخلاقي.
لقد حمل اختيار جنوب أفريقيا لإلقاء هذا الخطاب دلالة سياسية وقانونية وتاريخية عميقة. فهذا البلد الذي عانى عقوداً من نظام الفصل العنصري، لم يكتفِ باستعادة حريته، بل اختار أن يجعل من تجربته التاريخية حاضراً في النقاش الدولي حول حقوق الإنسان والعدالة.
وكانت جنوب أفريقيا قد لجأت إلى محكمة العدل الدولية في القضية المتعلقة بتطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة، في خطوة وضعت الالتزامات الدولية المتعلقة بمنع الإبادة الجماعية أمام اختبار بالغ الأهمية.
ومن هنا جاء تقدير جلالة الملكة لموقف جنوب أفريقيا، وتأكيدها أن القانون الدولي ليس خياراً سياسياً، ولا التزاماً يُطبّق على دولة ويُستثنى منه طرف آخر.
فأحكام المحاكم الدولية، واتفاقيات جنيف، وواجب حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ومنع التهجير القسري والعقاب الجماعي، كلها التزامات ينبغي احترامها ومحاسبة من ينتهكها وفق القانون.
لقد أعادت جلالتها التذكير بحقيقة أساسية: لا يمكن أن يكون هناك نظام دولي عادل إذا أصبحت حقوق الإنسان قابلة للتجزئة، وإذا كانت حياة بعض الشعوب تستحق الحماية بينما تُترك حياة شعوب أخرى للمجهول.
إن الحضور الأردني في جنوب أفريقيا، وما رافقه من استحضار إرث نيلسون مانديلا والراحل ديزموند توتو، يفتح مساحة مهمة للتأمل في العلاقة بين التاريخ والضمير الإنساني.
فمانديلا وتوتو لم يكونا مجرد شخصيتين من تاريخ جنوب أفريقيا، بل أصبحا رمزين عالميين للنضال ضد التمييز والدفاع عن الكرامة الإنسانية والمصالحة والعدالة.
ومن اللافت أن جلالة الملكة زارت مؤسسة ديزموند وليا توتو الإرثية في كيب تاون، واطلعت على المعرض الذي يوثق مسيرة النضال ضد الفصل العنصري، كما التقت غراسا ماشيل، أرملة نيلسون مانديلا والمدافعة عن حقوق النساء والأطفال.
إن هذه اللقاءات تحمل بعداً يتجاوز البروتوكول، وتعيد وصل التجارب الإنسانية التي ناضلت من أجل الحرية والكرامة، وتؤكد أهمية نقل قيم العدالة إلى الأجيال الجديدة.
الأردن وصوت فلسطين في المنابر الدولية
ومن موقع الأردن، الذي بقيت القضية الفلسطينية حاضرة في مواقفه السياسية والإنسانية، يأتي خطاب جلالة الملكة امتداداً لصوت أردني يؤكد حق الشعب الفلسطيني في الحرية والكرامة وتقرير المصير.
كما أن إدانة جلالتها للهجوم الإرهابي الذي استهدف كنيسة في بلدة حمود بمحافظة الكرك، واستحضارها ألم العائلات الأردنية التي فقدت أحباءها، حملت رسالة إنسانية واضحة مفادها أن رفض العنف وحماية الإنسان لا يتجزآن، وأن كرامة الضحايا وحقهم في الحياة والأمان لا يخضعان لأي تمييز.
فالقيمة الإنسانية التي تدافع عن حياة الفلسطيني في غزة هي ذاتها التي تدافع عن حياة الأردني، وعن كل إنسان يتعرض للعنف والظلم، أياً كانت ديانته أو جنسيته.
لعل أهم ما حمله خطاب جلالة الملكة رانيا هو الانتقال من دائرة التعبير عن التعاطف إلى دائرة المسؤولية والمساءلة.
فالإدانة التي لا تتبعها إجراءات لا تحقق العدالة، والتصريحات التي لا تنعكس على حماية المدنيين وإيصال المساعدات واحترام القانون الدولي تبقى دون مستوى المسؤولية الأخلاقية والسياسية.
لقد دعت جلالتها الشباب إلى المعرفة والتحقق من المعلومات والتمسك بالأدلة، وعدم السماح بتهميش أصواتهم، مؤكدة أن الدفاع عن الآخرين ليس مجرد عاطفة، بل هو وفاء للدين الإنساني الذي يحمله كل جيل تجاه الأجيال التي سبقته.
وهنا تتجلى قيمة الدبلوماسية الإنسانية؛ فهي لا تكتفي بعرض المواقف، بل تسعى إلى إيقاظ الضمير العالمي، وإعادة الاعتبار للمبادئ التي تأسس عليها النظام الدولي.
إن وقفة التقدير لجلالة الملكة رانيا العبدالله في جنوب أفريقيا هي وقفة مع خطاب أعاد طرح سؤال العدالة أمام العالم: كيف يمكن للبشرية أن تحتفي بانتصار الحرية في تاريخ جنوب أفريقيا، بينما تظل حرية الفلسطينيين وحقوقهم موضع إنكار وتأجيل؟
لقد حملت جلالتها إلى كيب تاون رسالة الأردن، وصوت الإنسان الفلسطيني، ووجع غزة، واستحضرت إرث مانديلا لتذكير العالم بأن الحرية لا تتجزأ، وأن الصمت أمام الظلم ليس موقفاً محايداً بالضرورة.
ولعل أبلغ ما اختتمت به جلالتها رسالتها هو الأمل بأن يأتي يوم يصبح فيه نضال الشعب الفلسطيني جزءاً من تاريخ فلسطين الحرة.
إنها ليست مجرد أمنية، بل أفق إنساني وسياسي يستدعي عملاً دولياً جاداً، واحتراماً للقانون، ومحاسبة عادلة، وضماناً لحقوق الشعب الفلسطيني.
فمن جنوب أفريقيا التي انتصرت على الفصل العنصري، إلى فلسطين التي تنتظر حريتها، تبقى الحقيقة واحدة: لا سلام بلا عدالة، ولا كرامة بلا حرية، ولا قانون دولي حقيقي إذا لم يُطبّق على الجميع دون استثناء.
تحية تقدير لجلالة الملكة رانيا العبدالله على حضورها الإنساني والدبلوماسي، وعلى إيصال صوت العدالة الفلسطينية إلى منبر عالمي، في لحظة يحتاج فيها العالم إلى شجاعة الموقف بقدر حاجته إلى وضوح الحقيقة .
* المدير العام - مركز فرح الدولي للدراسات و الابحاث الاستراتيجية
muwaffaq@ajlouni.me












































