اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٩ حزيران ٢٠٢٦
إبراهيم الوافي
من أكثر ما يثير الدهشة في علاقتنا بالتاريخ أننا لا نتلقاه بوصفه وقائع جامدة أو تواريخ صامتة، حين نستقبله دائماً على هيئة حكاية، فالتاريخ عند العرب لم يكن مجرد سجل للأحداث، كان سرداً يمشي على قدمين، ينتقل من فم إلى فم، ومن ذاكرة إلى ذاكرة، حتى غدا أقرب إلى الرواية منه إلى الوثيقة، ومن هنا ينهض سؤال قديم يتجدد كلما قرأنا تاريخنا أو حاولنا تأمل علاقتنا بفن الرواية.. «هل كان العرب غرباء حقاً عن هذا الفن كما يقال؟ أم أننا مارسناه مبكراً دون أن نمنحه الاسم الذي استقر عليه لاحقاً؟ وهل كان اعتمادنا على الشفوية، واعتزازنا الاستثنائي بالذاكرة، شكلاً أولياً من أشكال البناء الروائي الذي سبق التنظير والتقعيد؟
أتذكر جيداً ما قيل لنا على مقاعد الدراسة: إن رواية «زينب» الصادرة عام 1917 لـمحمد حسين هيكل هي أول رواية عربية، حيث ظلت هذه المعلومة عالقة في الذهن كما تعلق المسلمات في الوعي الجمعي، تتكرر في المناهج والكتب والدراسات، حتى بدت وكأنها حقيقة لا تقبل المراجعة، ومع ذلك كلما استعدتها شعرت أن ثمة شيئاً ناقصاً في هذه الحكاية، أو أن وراءها حكايات أخرى لم تُروَ بعد.. فكيف يمكن لأمة نسجت سيراً كبرى مثل سيرة عنترة وسيرة الزير سالم، وراكمت آلاف الحكايات والأساطير والأخبار، أن تكون قد انتظرت مطلع القرن العشرين لتتعرف إلى الرواية؟ أليست تلك السير الطويلة روايات مؤجلة الاسم؟ أليست شخصياتها وصراعاتها وتحولاتها وبناؤها الزمني أشكالاً مبكرة من السرد الممتد الذي نعرفه اليوم بالرواية؟
قد يقول المختصون إن للرواية الحديثة تقنياتها الخاصة، وإن هذه الفنون الشعبية أو التاريخية لا تستوفي شروطها الفنية، وربما كان في ذلك شيء من الصواب، لكن السؤال الذي يظل معلقاً في فضاء التأمل: لماذا نفترض دائماً أن التقنية لا تولد إلا من النموذج المستورد؟ ولماذا لا نتصور أن التجربة العربية كانت قادرة على تطوير أدواتها الخاصة لو تُرك لها أن تنمو في مسارها الطبيعي؟
وحين نستحضر أعمالاً مثل «حي بن يقظان» التي امتدت جذورها الفكرية بين جهود عدد من الفلاسفة المسلمين، من ابن سينا إلى شهاب الدين السهروردي وابن طفيل وابن النفيس، فإننا نعثر على ملامح سردية وفلسفية شديدة الثراء، تتجاوز مجرد الحكاية إلى بناء عالم كامل من الأسئلة والرموز والتحولات الإنسانية، لذلك تبدو العلاقة بين التاريخ والرواية في وعينا العربي علاقة أكثر تعقيداً مما توحي به الأحكام الجاهزة. فربما لم تكن المشكلة أننا لم نعرف الرواية، بل أننا اعتدنا النظر إلى أنفسنا بعيون الآخرين، وربما آن الأوان لإعادة طرح السؤال من جديد هل تأخر ميلاد الرواية العربية فعلاً؟ أم أن الرواية كانت تسير معنا منذ البداية تحت أسماء أخرى، بينما كنا نقرأها بوصفها تاريخاً، ونحفظها بوصفها ذاكرة، ونعيشها بوصفها حياة.!










































