اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٢٩ تموز ٢٠٢٦
الرياض - الثقافي
قد تبدو أشجار القرم للناظر مجرد غطاء أخضر يلامس مياه البحر، لكنها تؤدي واحدة من أهم الوظائف الطبيعية على السواحل، فمن بين جذورها تبدأ حياة كثير من الكائنات البحرية، وعلى امتدادها تجد الطيور ملاذًا آمنًا، فيما تعمل بصمت على حماية الشواطئ من التآكل والانجراف، ولهذا أصبحت القرم من أكثر الأشجار ارتباطًا باستدامة البيئة الساحلية في البحر الأحمر والخليج العربي.
وتنتشر هذه الأشجار، التي تعرف أيضًا بأسماء المانغروف والقندل والشورى، في المناطق الساحلية التي تتداخل فيها اليابسة مع البحر، وعلى الرغم من الظروف القاسية التي تعيش فيها، فإنها استطاعت التكيف مع المياه المالحة عبر نظام جذري فريد يسمح لها بالحصول على الأكسجين والثبات في التربة التي يغمرها المد والجزر.
ولم يكن هذا التكيف مجرد وسيلة للبقاء، بل تحول إلى عنصر يحافظ على استقرار السواحل، فالجذور الكثيفة تخفف من قوة الأمواج، وتحد من انجراف الرمال والتربة، كما تقلل من تأثير العواصف البحرية، وهو ما جعل أشجار القرم تمثل حاجزًا طبيعيًا يحمي الشواطئ دون الحاجة إلى منشآت صناعية.
وفي الجانب الآخر، صنعت هذه الجذور بيئة نابضة بالحياة تحت سطح الماء، فكثير من الأسماك والقشريات والروبيان تبدأ مراحلها الأولى بين تشابكاتها قبل أن تنتقل إلى البحر المفتوح، بينما تعتمد عليها أنواع مختلفة من الطيور في التعشيش والبحث عن الغذاء، لتتحول غابات القرم إلى واحدة من أكثر البيئات الساحلية تنوعًا وثراءً بالحياة الفطرية.
ومع تزايد الاهتمام العالمي بالتغير المناخي، برزت أهمية القرم من زاوية أخرى، بعدما أثبتت الدراسات قدرتها الكبيرة على احتجاز الكربون داخل جذوعها والتربة المحيطة بها، وهو ما يمنحها دورًا يتجاوز حماية السواحل إلى المساهمة في الحد من آثار الانبعاثات الكربونية والحفاظ على التوازن البيئي.
وفي المملكة العربية السعودية، تمتد غابات القرم على أجزاء واسعة من سواحل البحر الأحمر والخليج العربي، وتشكل جزءًا من المشهد الطبيعي الذي ارتبط بتاريخ المناطق الساحلية. كما تحظى باهتمام متزايد من خلال مبادرات حماية البيئة وإعادة تأهيل الغطاء النباتي الساحلي، إدراكًا لما تمثله من قيمة طبيعية واقتصادية، وما توفره من موائل للكائنات الحية.
ولعل أكثر ما يميز أشجار القرم أنها تؤدي كل هذه الأدوار في وقت واحد؛ فهي تحمي اليابسة، وتحتضن الحياة البحرية، وتوفر مأوى للطيور، وتسهم في المحافظة على المناخ. لذلك لم تعد مجرد شجرة تنمو على أطراف البحر، بل أصبحت أحد أهم عناصر التوازن البيئي، وإرثًا طبيعيًا يستحق الحماية والمحافظة عليه للأجيال المقبلة.










































