اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ٣ نيسان ٢٠٢٦
د. سوسن العتيبي
جرت عادة مقدمات العلوم على ذكر بعض اصطلاحات الفنون والعلوم، والتعريف بها، وسبب تسميتها، ولماذا صار اللفظ مركّباً؟ نحو: أصول الدين، أصول الفقه، مقاصد الشريعة... وغيرها من المركبات، التي يردّ لفظها الأوّل لدلالات لغويّة، فدلالات داخل اصطلاحات العلم المخصوص، حتى ينفذ لمناسبة تصله بالدلالات اللغوية فالاصطلاحيّة للفظ الثاني، ومن ثم استخلاص الدلالة المركّبة من مجموعهما. والملاحظ أن هذه الآلية ليست خاصّة باللفظ المركّب، بل نواجهها مع ضعف تأصيلها اللغوي في كثير من الدلالات؛ عندما نتوجه تلقاء الثنائيات اللغويّة، ومنها مثال ثنائية «العلم والمعرفة»، فهل العلاقة بينهما ترادف، أم اختلاف من وجه، أم عموم وخصوص... وغيرها من أنواع العلاقات التي تُميّز حسب الاصطلاح أو العرف العلمي أو الفنّي حسب كل مجال. والمشاهد هو ضعف العناية بمراحل الانتقال من اللغة أصالة فالاصطلاح فالجمع بين اللفظين.
وإنّك واجدٌ من يُميّز بين «العلم» و»المعرفة» تمييزاً اصطلاحياً يطغى على أصالة الدلالة اللغويّة، بل وستجد بعض البحوث الساعية للتأصيل اللغوي بينهما تنحو ناحية التعريفات الاصطلاحية -كما عند الجرجاني- للفصل بينهما بمعيار اللغة، دون تفحص حجب الاصطلاحيّ اللغويّ أصالة! وهذا الطغيان الاصطلاحي لحظه «محمد الطالب المرداسيّ» (ت 1273هـ)؛ ذاكراً بعض أقوال من تقدّم، كأبي العباس أحمد بن عبد العزيز الهلاليّ، في شرحه على خطبة القاموس، الذي قال: «وهذا الفرق، على ما يظهر من الإيضاح للقزويني، جارٍ على اصطلاح لبعض العلماء، لا على أصل وضع اللغة». وأضاف المرداسيّ: «وقد صرّح أيضاً صاحب المصباح، بأن الفرق بينهما بتقدّم الجهل في المعرفة، اصطلاحيّ، وإن كان أوّل كلامه دالاً على التغاير بينهما، بأن المعرفةَ العِلمُ المُستندُ إلى الحواس. فهي عنده أخصّ من العلم».
وهذا اللفت إلى طغيان الجانب الاصطلاحي يعيد الأمر لا لمجرد ذكر المتقابلين اللغويين، بل إلى البحث عن أصول بعض المعاجم المميزة بين الألفاظ، إن عند الجرجاني، أو العسكري، أو غيرهما. فهل كانت تمييزاتهم تمييزات لأصول اللغة، ومن ثم تشعبها في الاستعمالات الاصطلاحية، لا أنهم قدّموا الاستعمال الاصطلاحي على الأصل اللغوي، حتى طغى ونسي الناس أنه استعمال حادث!
ومن الأمثلة على هذا الاضطراب، مثال: الاستعمالات الاصطلاحيّة للتمييز بين «العلم والمعرفة» اصطلاحات أهل التصوّف، فعندهم أصل العلم ومنشاؤه تحصيل من الظاهر السمعي أو النظري، أمّا المعرفة فما حصّل من الفيض الرباني بالكشف أو الذوق ونحوها، بين علم مكسوب وعلم موهوب. أمّا من حيث الخاصيّة، فيقول المرداسيّ: «العلم لمّا كان راجعاً إلى اكتساب العباد؛ كان مضبوطاً بقوانينه شرعاً أو عقلاً، فصاحبه يُفصّل ويُحصّل، ويُحقق ويُدقق. والمعرفة لما كانت وراء الطور، وهي خصوص لخصوص، كانت غير مضبوطة بقاعدة، بل بحسب الذوق، فكل من سقي شربة يترنح بها، ولا ينسحب حكمها على من لم يشربها». وخاتمة قوله شبيه بمقولة: «لا يصدقك إلا من أشرق فيه ما أشرق فيك»؛ أي حسب المقامات والأحوال.
وهذا الاعتداد بطريق التصوّف العرفانيّ ربما كان أحد أسباب تأخر التدوين فيه؛ إذ ارتبط التدوين بلغة العلم الاصطلاحية، من وضع القواعد والأصول لاكتساب العلم، لا هبته كالعرفان. فالتصوّف عمل، لغته الإشارة، ونماذجه الواقع لا التجريد، فهو سبيل وصفيّ لكنه معلّق بمقاصد وصوليّة عالية، أما العلم فنظري عباريّ تجريدي عادة متصل بإيجاب النماذج والمقاصد. وهذا ما ظهرت إشارته فيما ذكره الباحث يوسف بنلمهدي: «لما كان البعد العملي التطبيقي للتصوف طاغياً على الجانب النظري، فقد اهتم أعلام التصوف ومريدوهم والمتعاطفون معهم، بجمع أخبار العباد والصالحين وحكاياتهم، ومناقبهم وكراماتهم، وأحوالهم ومواجيدهم...، وهذه أفيد من جهة أنها تراث يحكي عن تجارب عملية هي في حكم الواقع وليس المثال، كما أنها تنفع شيوخ التزكية، الذين اتخذوها مادة للاستئناس في تربية المريدين، واعتمدوا عليها في بناء تقاليد وقيم عرفانية ذات ملامح محددة «أخلاقيا»...».
إلا أنّ هناك من كتب التصوّف بلغة العلم، كما ذكر المرداسي، «كالمحاسبيّ وأبي طالب والغزالي، يقرر القواعد ويحررها، بخلاف غيرهم من أرباب المواجيد، فإنّ أقوالهم تختلف في الشيء الواحد؛ لكونها عن مشارب مختلفة. مثلاً يقول الواحد: الزهد هو كذا، ويقول الآخر هو كذا... فيقتصر كُلٌّ على ذوقه. والعالِمُ ينظر فيها جميعاً، ويُحرر منها ما هو الأولى». ومن هذا الاقتباس الأخير يمكن النظر في ثنائية «العلم والمعرفة» في السياق الصوفي المكتوب إلى ما هو مختلف مفرّق من المعاني والتعريفات، فهو طريق المعرفة، وما كان مجمّعاً موحداً، فهو طريق العلم.
وتبقى الإشكالية قائمة لم تحلّ، في طبقات من المشكلات: الاصطلاحات المهيمنة على الأصول اللغويّة، والاستعمالات الاصطلاحيّة غير المضبوطة داخل الفنون والعلوم المختلفة، وتحوّلات وأطوار كل ثنائيّة في سياق ما. فاللغة ليست مرجعيّة أصالة وفق اللفظ الثنائيّ عادة.










































