اخبار الاردن
موقع كل يوم -سواليف
نشر بتاريخ: ١١ أيلول ٢٠٢٦
#سواليف
كشف بحث علمي حديث أن قارة غندوانا القديمة كانت أكبر بكثير من التقديرات السابقة، وأنها ربما غطت نحو 80% من إجمالي مساحة اليابسة على الأرض قبل أكثر من 500 مليون عام، بعدما نجح علماء في تحديد أجزاء من قشرتها كانت قد اختفت تحت سلاسل جبلية تشكلت في عصور لاحقة.
وتعيد النتائج، المنشورة في مجلة Science Advances، رسم حدود واحدة من أضخم الكتل القارية التي عرفها تاريخ الأرض، إذ كانت التقديرات السابقة تشير إلى أن غندوانا كانت تمثل نحو 64% من مساحة اليابسة الحالية، وهي نسبة لم تكن تكفي، وفق التعريف الشائع، لاعتبارها «قارة عظمى»، التي يُستخدم لها عادة حد يقارب 75% من مساحة اليابسة.
تكوّنت غندوانا خلال الفترة الممتدة تقريباً بين 550 و500 مليون سنة مضت، في مرحلة شديدة الأهمية من تاريخ الأرض، وكانت تضم كتل اليابسة التي أصبحت لاحقاً إفريقيا وأمريكا الجنوبية والهند وأستراليا والقارة القطبية الجنوبية ومدغشقر وشبه الجزيرة العربية، إضافة إلى أجزاء أخرى أصبحت اليوم موزعة بين مناطق مختلفة من العالم.
وكانت غندوانا، لفترات طويلة، أكبر تجمع قاري معروف على سطح الأرض، قبل أن تدخل لاحقاً في سلسلة طويلة من عمليات التصادم والانفصال وإعادة تشكيل القارات، وصولاً إلى تكوّن القارات والمحيطات بصورتها الحديثة.
اعتمد الباحثون في الدراسة الجديدة على تحليل بيانات أكثر من 25 ألف صخرة نارية، واستخدموا البصمات الجيوكيميائية والنظائرية لهذه الصخور لتحديد أصول أجزاء من القشرة الأرضية.
وأظهرت النتائج أن مناطق واسعة من القشرة الموجودة اليوم في آسيا، ولا سيما من الهند وجنوب شرق آسيا مروراً بمناطق في الصين وصولاً إلى كازاخستان، كانت مرتبطة بغندوانا، رغم أن هذه المناطق اعتُبرت في عمليات إعادة البناء السابقة أجزاءً من أحواض محيطية قديمة أو سلاسل جزر بركانية.
وتكمن أهمية الاكتشاف في أن أجزاء كبيرة من تلك القشرة لم تعد ظاهرة على سطح الأرض بالشكل الذي كانت عليه قبل مئات ملايين السنين؛ فقد تعرضت لاحقاً لعمليات تصادم بين الصفائح، وعمليات بناء جبال، ودفنت تحت صخور أحدث.
وبذلك، لم تكن المشكلة في غندوانا أنها اختفت بالكامل، وإنما أن أجزاء من حدودها القديمة أصبحت مخفية داخل البنية الجيولوجية للقارات الحديثة.
إعادة بناء القارات القديمة ليست عملية رسم خريطة بسيطة، لأن القارات لا تبقى ثابتة. فخلال ملايين السنين تتحرك الصفائح التكتونية، وتصطدم الكتل القارية، وتتشكل الجبال، وتُدفن أجزاء من القشرة أو يعاد تدويرها داخل باطن الأرض.
ولهذا فإن العلماء يعتمدون على مجموعة من الأدلة، من بينها أعمار الصخور، والتركيب الكيميائي والنظائر، وسجلات النشاط البركاني، إضافة إلى الأدلة التكتونية والحفريات.
وفي حالة غندوانا، أدى النظر إلى بعض المناطق الآسيوية باعتبارها أجزاءً من محيطات أو جزر بركانية مستقلة إلى تقليل تقدير مساحة القارة القديمة. لكن البصمات النظائرية للصخور القديمة كشفت صلات جيولوجية أقدم تربط هذه المناطق بغندوانا.
إذا صحت إعادة البناء الجديدة، فإن غندوانا لم تكن مجرد قارة ضخمة، بل تستوفي بوضوح معيار القارة العظمى، بعدما تجاوزت مساحة اليابسة المرتبطة بها عتبة 75% المستخدمة على نطاق واسع لوصف هذا النوع من التجمعات القارية.
وتكتسب النتيجة أهمية أكبر لأنها تتزامن مع واحدة من أكثر الفترات إثارة في تاريخ الحياة على الأرض؛ فالفترة الواقعة تقريباً بين 550 و500 مليون سنة شهدت تغيرات كبيرة في البيئة والمحيطات والغلاف الجوي، وانتهت بظهور تنوع هائل في أشكال الحياة خلال الانفجار الكامبري.
ويرى الباحثون أن تشكل قارة عظمى بهذا الحجم يمكن أن يكون له تأثير في المناخ ودورة العناصر الكيميائية وتطور المحيطات، لأن تجمع مساحات هائلة من اليابسة يعيد تشكيل أنماط التجوية والتعرية، كما يؤدي تشكل السلاسل الجبلية والنشاط البركاني على حدود الصفائح إلى تغييرات في تدفقات المواد بين اليابسة والمحيطات والغلاف الجوي.
لا تعني الدراسة أن العلماء أثبتوا أن تشكل غندوانا تسبب مباشرة في الانفجار الكامبري، وإنما تفتح النتائج احتمال وجود علاقة بين التغيرات الجيولوجية الكبرى في تلك الفترة والتحولات البيئية التي رافقت ازدهار الحياة.
وتشير تحليلات سابقة إلى أن تشكل غندوانا النهائي قبل نحو 550 مليون سنة تزامن مع مرحلة شهدت تغيرات كبيرة في النشاط التكتوني والمناخ وتركيب المحيطات، وهي الفترة نفسها التي سبقت أو تزامنت مع التحولات الكبرى في تاريخ الحياة.
لذلك، يتعامل العلماء مع العلاقة بوصفها فرضية جيوديناميكية قابلة للبحث، وليس باعتبارها حقيقة مثبتة بأن غندوانا وحدها كانت السبب في الانفجار الكامبري.
ويرجح الباحثون أن تقدير 80% نفسه قد يكون محافظاً، إذ يمكن أن تكون أجزاء أخرى من القشرة القديمة قد تعرضت للاندثار أو إعادة التدوير التكتوني، ما يجعل العثور عليها أكثر صعوبة.
وبالتالي، قد لا تكون الخريطة الجديدة هي الصورة النهائية لغندوانا، بل خطوة إضافية في إعادة بناء شكل الأرض قبل مئات ملايين السنين.
واللافت أن ما نراه اليوم من قارات منفصلة ومحيطات شاسعة ليس سوى مرحلة مؤقتة في دورة جيولوجية طويلة؛ فقد تجمعت الكتل القارية مراراً ثم تفرقت بفعل حركة الصفائح التكتونية. وكانت غندوانا واحدة من أبرز هذه التجمعات، قبل أن تبدأ عملية تفككها التي ساهمت في تشكيل أجزاء كبيرة من خريطة العالم الحالية.
ملاحظة تحريرية مهمة: الجزيرة العربية ليست اكتشافاً جديداً ضمن غندوانا في هذه الدراسة؛ فهي كانت معروفة ضمن مكونات غندوانا السابقة. الجديد هو اكتشاف/إعادة تفسير أجزاء إضافية من القشرة في آسيا ومناطق أخرى، ما رفع التقدير الإجمالي لمساحة غندوانا من نحو 64% إلى قرابة 80% من مساحة اليابسة.












































