اخبار الاردن
موقع كل يوم -زاد الاردن الاخباري
نشر بتاريخ: ٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦
زاد الاردن الاخباري -
كتب : الدكتور احمد الوكيل - في السياسة الخارجية، لا تقاس قيمة العلاقات بعدد اللقاءات وحدها، ولا بعدد الزيارات التي يجريها القادة، بل بما تستطيع الدولة أن تبنيه فوق هذه العلاقات من مصالح سياسية واقتصادية طويلة الأجل. ومن هذه الزاوية، يمتلك الأردن اليوم رصيداً مهماً صنعته الدبلوماسية الملكية عبر سنوات من التواصل مع عواصم القرار والقوى الاقتصادية الكبرى، لكن التحدي الحقيقي يبقى في قدرة الاقتصاد الأردني على تحويل هذا الرصيد السياسي إلى استثمارات وأسواق وفرص عمل ومشاريع على الأرض.
تحركات جلالة الملك عبدالله الثاني الخارجية لا تنفصل عن المصالح الوطنية الأردنية. ففي منطقة تتغير فيها التحالفات بسرعة وتتقاطع فيها ملفات الحرب والطاقة والمياه والتجارة والأمن، يحتاج الأردن إلى إبقاء قنواته مفتوحة مع مختلف الأطراف، والمحافظة على حضوره في مراكز صنع القرار. وهذه الحركة تمنح المملكة مساحة سياسية لا تتوافر بالضرورة لدول أكبر منها مساحة أو سكاناً.
لكن النجاح الدبلوماسي، مهما بلغت أهميته، لا ينبغي أن يتوقف عند حدود السياسة. فالعلاقة القوية مع دولة صناعية يجب أن تفتح مجالاً للاستثمار ونقل التكنولوجيا، والشراكة مع دولة تمتلك صناديق استثمارية كبرى يجب أن تقود إلى مشاريع، والعلاقة مع سوق ضخمة يجب أن تمنح المنتج الأردني فرصة أكبر للوصول إليها. هنا يصبح الاقتصاد امتداداً طبيعياً للسياسة الخارجية، لا ملفاً منفصلاً عنها.
الأردن يمتلك في هذا الجانب ميزة مهمة؛ فهو لا يبدأ ببناء علاقاته الدولية من الصفر. هناك شبكة واسعة من العلاقات السياسية والاقتصادية التي تراكمت عبر عقود، وهناك ثقة بنتها الدولة الأردنية مع شركائها، إضافة إلى موقع جغرافي يربط الخليج بالعراق وبلاد الشام، واستقرار مؤسسي حافظت عليه المملكة رغم الاضطرابات والحروب التي شهدها الإقليم.
هذه العناصر مجتمعة تشكل رأس مال سياسياً واقتصادياً، لكن رأس المال لا يحقق عائداً لمجرد وجوده. المطلوب هو القدرة على استثماره.
عندما يفتح الملك باباً في عاصمة عالمية، تبدأ مهمة المؤسسات الاقتصادية الأردنية. يجب أن تكون هناك مشاريع جاهزة، ودراسات واضحة، وفرص استثمارية قابلة للتنفيذ، وقطاعات محددة يعرف الأردن ماذا يريد منها. المستثمر لا يأتي إلى دولة لأنه سمع خطاباً جيداً عنها فقط، وإنما لأنه يجد أمامه مشروعاً مفهوماً وعائداً متوقعاً وإجراءات واضحة وبيئة يستطيع العمل داخلها بثقة.
وهنا يظهر الفارق بين الدبلوماسية السياسية والدبلوماسية الاقتصادية. الأولى تبني العلاقة والثقة، أما الثانية فتحول العلاقة إلى أرقام. كم استثماراً جاء؟ كم مصنعاً بدأ الإنتاج؟ كم شركة أردنية دخلت سوقاً جديدة؟ كم وظيفة نشأت؟ وكم تقنية انتقلت إلى المملكة؟ هذه هي المؤشرات التي تجعل المواطن يشعر بأن حضور بلده في الخارج عاد عليه بنتيجة في الداخل.
ولا ينبغي أن تكون الحكومة وحدها في هذه المهمة. القطاع الخاص الأردني مطالب أيضاً بأن يصبح أكثر جرأة في ملاحقة الفرص التي تفتحها العلاقات الخارجية. فزيارة ملكية إلى دولة كبيرة يمكن أن تكون فرصة للصناعي والمصدر وشركة التكنولوجيا والجامعة والمستشفى وشركة الخدمات، إذا كانت كل جهة تعرف مسبقاً ماذا تريد من السوق التي يتوجه إليها الأردن.
المشكلة أحياناً أننا نتعامل مع الزيارة الخارجية باعتبارها حدثاً ينتهي بعودة الوفد إلى عمّان، بينما يجب أن تبدأ المرحلة الأهم بعد العودة. كل اتفاق يحتاج إلى متابعة، وكل مذكرة تفاهم تحتاج إلى جدول زمني، وكل اهتمام استثماري يحتاج إلى جهة تمسك به حتى يتحول إلى مشروع أو يتضح سبب عدم تحوله.
فالاقتصاد لا يعيش على النوايا الحسنة، والاستثمار لا ينتظر طويلاً. المستثمر الذي يجد إجراءات معقدة في دولة ما يستطيع نقل أمواله إلى دولة أخرى، والشركة التي تنتظر أشهراً للحصول على إجابة قد تجد سوقاً أكثر سرعة. ولهذا فإن نجاح الدبلوماسية الاقتصادية يحتاج في الداخل إلى إدارة تعمل بالإيقاع نفسه الذي تتحرك به السياسة الخارجية.
وهنا تحديداً تصبح سرعة القرار جزءاً من تنافسية الأردن. قد لا نستطيع أن نقدم للمستثمر أكبر سوق في المنطقة، ولا أرخص طاقة، ولا أضخم موارد طبيعية، لكننا نستطيع أن نقدم له وضوحاً في التشريع، وسرعة في الترخيص، واستقراراً في القرار، وقضاءً يحمي الحقوق، وكفاءات بشرية، وموقعاً استراتيجياً، ودولة أثبتت قدرتها على المحافظة على استقرارها وسط إقليم شديد الاضطراب.
والاستقرار الأردني نفسه يجب أن يدخل بقوة في الخطاب الاقتصادي. فعلى مدى سنوات طويلة، مرت المنطقة بحروب وأزمات سياسية وأمنية واقتصادية متلاحقة، فيما استطاعت المملكة الحفاظ على مؤسساتها واستمرار اقتصادها وخدماتها وأسواقها. صحيح أن الأردن تأثر بما يجري حوله، فمن المستحيل على دولة في هذا الموقع ألا تتأثر، لكن التأثر لم يتحول إلى انهيار في قدرة الدولة على العمل.
هذه ميزة لها ثمن في عالم الاستثمار.
رأس المال بطبيعته يبحث عن العائد، لكنه يبحث أيضاً عن الأمان والقدرة على التنبؤ. المصنع الذي سيعمل لعشرين عاماً يحتاج إلى دولة يعرف المستثمر أن مؤسساتها ستبقى تعمل، وأن العقود ستظل محترمة، وأن النظام المالي قادر على الاستمرار، وأن التغيرات السياسية والأمنية لن تجعل استثماره رهينة للمجهول.
ومن هنا يستطيع الأردن أن يقدم نفسه للعالم ليس باعتباره سوقاً صغيرة فقط، وإنما منصة مستقرة للوصول إلى أسواق أكبر. فالمصنع الذي يقام في المملكة لا يجب أن ينتج للأردنيين وحدهم، وشركة التكنولوجيا التي تعمل من عمّان لا يجب أن تبيع خدماتها داخل الحدود فقط، ومركز الخدمات يستطيع أن يعمل لصالح الخليج والعراق وأسواق أخرى.
هذه هي النقلة التي يحتاجها التفكير الاستثماري: من سؤال «كم يبلغ حجم السوق الأردنية؟» إلى سؤال «إلى كم سوقاً يستطيع المستثمر الوصول من الأردن؟».
كما أن هذه الرؤية يجب أن تصل إلى المحافظات. فالاستثمار الذي يتركز في العاصمة لا يستطيع وحده معالجة البطالة أو تحقيق تنمية متوازنة. عندما تتحول العلاقة الدولية إلى مشروع صناعي في المفرق، أو استثمار سياحي في الجنوب، أو شركة تكنولوجية توظف شباباً في إربد، تصبح السياسة الخارجية أقرب إلى حياة المواطن.
ولذلك فإن اختيار الاستثمار يجب ألا يقوم فقط على حجم رأس المال الداخل، بل على القيمة التي سيضيفها. المشروع الذي يصدر، ويوظف الأردنيين، وينقل التكنولوجيا، ويشتري من الشركات المحلية، ويقام خارج المناطق الأكثر تشبعاً بالاستثمارات، يحمل أثراً اقتصادياً أكبر من رقمه المالي وحده.
هناك كذلك فرصة مرتبطة بما قد يأتي بعد أزمات الإقليم. فالحروب مهما طالت لا تستمر إلى الأبد، وعندما تبدأ مراحل الاستقرار وإعادة الإعمار وعودة التجارة، ستحتاج المنطقة إلى شركات نقل وهندسة ومقاولات وطاقة وتمويل وخدمات وصناعات ومواد بناء وتقنيات. الأردن يستطيع أن يكون جزءاً من هذه الدورة إذا بدأ الاستعداد قبل أن تبدأ المنافسة عليها.
والاستعداد لا يكون بانتظار انتهاء الأزمات، وإنما بتجهيز الشركات والبنية التحتية والكوادر والتشريعات منذ الآن. فمن يبدأ التفكير في الفرصة بعد ظهورها قد يجد أن الآخرين سبقوه إليها.
وفي هذا السياق، تستطيع الدبلوماسية الملكية أن تمنح الأردن أفضلية مهمة، لأنها تبقي المملكة حاضرة في العواصم المؤثرة وفي النقاشات المتعلقة بمستقبل المنطقة. لكن الحفاظ على المقعد في الغرفة شيء، وتحويله إلى مصلحة اقتصادية شيء آخر، وهنا تقع المسؤولية على الحكومة والمؤسسات الاقتصادية والقطاع الخاص.
نحن لا نحتاج إلى تحويل كل زيارة ملكية إلى قائمة أرقام فورية، فهناك علاقات سياسية وأمنية واستراتيجية لا تقاس بالدينار. لكن من المشروع أن يكون هناك مسار اقتصادي موازٍ للحركة السياسية، خصوصاً عندما تكون العلاقات مع دول تمتلك أسواقاً ضخمة ورؤوس أموال وتقنيات يحتاج إليها الأردن.
ويمكن بناء قاعدة بسيطة للمرحلة المقبلة: كل علاقة استراتيجية قوية يجب أن يكون لها ملف اقتصادي واضح. ما الذي نستطيع تصديره إلى هذه الدولة؟ ماذا نريد أن نستقطب منها؟ ما الشركات المستهدفة؟ ما القطاعات التي يمكن التعاون فيها؟ وما العوائق التي تمنع الانتقال من الاهتمام إلى الاستثمار؟
عندها تصبح الزيارة جزءاً من خطة، وليست حدثاً منفصلاً.
الأردن اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الحديث عن أهمية الاستثمار بقدر حاجته إلى جعل الاستثمار نتيجة طبيعية لقوة علاقاته واستقراره وموقعه. فالفرصة موجودة، والعلاقات موجودة، والكفاءات موجودة، وما ينقص أحياناً هو الربط السريع بين هذه العناصر وتحويلها إلى مشروع قابل للتنفيذ.
الدبلوماسية تستطيع أن تقنع العالم بأن الأردن شريك موثوق، لكنها لا تستطيع إصدار رخصة المصنع أو تجهيز الأرض أو تدريب العمال أو إنهاء معاملة المستثمر. هذه مسؤولية الداخل، ومن هنا يصبح نجاح الحكومة في الاقتصاد مكملاً لنجاح الدولة في السياسة الخارجية.
وفي النهاية، لا ينبغي أن تبقى قوة الأردن الدبلوماسية شيئاً نشاهده في الأخبار فقط. يجب أن تظهر في مصنع جديد، وفي سوق يفتح أمام الصادرات، وفي شركة عالمية تختار المملكة مقراً لها، وفي مشروع يصل إلى محافظة، وفي وظيفة يجدها شاب أردني.
لقد بنت الدولة الأردنية عبر عقود رصيداً سياسياً مهماً، وحافظت على شبكة علاقات واسعة رغم كل التحولات التي مرت بها المنطقة. وهذا الرصيد يشبه الباب المفتوح؛ قيمته الحقيقية تبدأ عندما نعرف ماذا سنحمل معنا ونحن نعبره.
الدبلوماسية الملكية تفتح الأبواب.. والاقتصاد مطالب بالدخول، لأن أفضل ترجمة لقوة العلاقات في الخارج هي فرصة واستثمار ووظيفة وإنجاز يراه الأردني في الداخل.












































