اخبار الاردن
موقع كل يوم -صحيفة السوسنة الأردنية
نشر بتاريخ: ٦ أب ٢٠٢٦
لا أدري إن كان جياني إنفانتينو يتوقع أن تنقلب الأمور عليه بهذه السرعة. قبل أسبوع واحد فقط، كان الرجل يرى نفسه في ذروة سلطانه، يستعد لولاية رابعة لا منافس لها. والآن، ها هو يواجه اتهامًا بالابتزاز من رجل يعرف جيدًا كيف تُدار كواليس كرة القدم، ليس من بعيد، بل من داخلها.
فالأمير علي بن الحسين ليس غريبًا عن هذه المؤسسة. لقد كان نائبًا لرئيسها، وخاض انتخابات الرئاسة مرتين. ومن ثم، فإن كلامه ليس كلامًا عابرًا. حين يقول إن 'فيفا' حاول ابتزازه، فإنه يتحدث بلغة الرجل الذي يعرف أين تُدفن الملفات، وأين تُفتح.
وجوهر القصة باختصار: الأردن بلغ نهائي كأس العرب، وجائزته البالغة 4.2 مليون دولار ما زالت معلقة. غير أن الصدمة كانت في الرسالة التي وصلت إلى الأمير خلال كأس العالم، ومفادها أن تأييده لإنفانتينو قد يسهم في حل مشكلاته المالية. يعني بالأردني: نريد تأييدك، وإلا فالله أعلم بمصير جائزتك.
بطبيعة الحال، جاء رد الأمير علي غير متوقع على الإطلاق. فقد صرح بأن الأردن يرفض الابتزاز، وأن القيم الأخلاقية في المملكة أغلى من أي تأييد، وأنه لم يدعم إنفانتينو من قبل، ولن يؤيده من الآن فصاعدًا. كلام واضح، وكلمات من ذهب.
والطريف أن الصحافة الغربية تعاملت مع الموضوع بشكل مختلف تمامًا عن نظيرتها العربية. فالغارديان البريطانية، على سبيل المثال، لم تهتم كثيرًا بمشاعر الأردنيين، بل رأت في القصة شأنًا سياسيًا داخليًا في 'فيفا'، وركزت على كيفية تأثير هذه الفضيحة في مستقبل إنفانتينو الانتخابي. أما ماركا الإسبانية، فنظرت إليها باعتبارها 'هزة مؤسسية'، وتساءلت: هل سيبقى إنفانتينو على كرسيه بعد هذه الموجة؟
في المقابل، ركزت الصحف العربية، مثل عرب تايمز الكويتية والبوابة الأردنية، على زاوية مختلفة: الكرامة الوطنية. فالقصة، من وجهة نظرهم، ليست مجرد جائزة متأخرة، بل موقف أردني واضح في مواجهة مؤسسة عالمية، وشخصية ملكية تقول 'لا' أمام العالم بأسره.
وهنا، في اعتقادي، تكمن النقطة الجوهرية: الأردن، بقدراته المحدودة ووزنه الرياضي المتواضع، اختار المواجهة. اختار أن يقول الحقيقة مهما كانت التكاليف. وهل ثمة اتحاد آخر كان ليسكت ليحصل على حقوقه؟ لا شك في أن ثمَّة كثيرين. لكن الأردن لم يسكت. وهذا الموقف وحده يحدث فرقًا، حتى وإن لم تتغير النتيجة النهائية.
واللافت أن إنفانتينو نفسه يعيش أيامًا عصيبة. فقد انهارت خطته الاستثمارية الضخمة، وبدأ أقرب حلفائه ينسحبون واحدًا تلو الآخر. وقد قال آرسين فينغر إن التراجع عنها كان 'ضروريًا للغاية'، ووصف الأمين العام الأحداث بأنها 'مؤسفة ومستوجبة اللوم'. وهذا يعني أن الموظفين في 'فيفا' أنفسهم بدأوا يتحدثون بصوت أعلى.
وتخيلوا الوضع: رئيس 'فيفا'، الذي كان يظن نفسه ملكًا على العالم، لم يعد يحظى سوى بـ15 تأييدًا من أصل 211 اتحادًا. صحيح أن كثيرًا من الاتحادات لا تعلن موقفها إلا قبل الانتخابات بوقت قصير، غير أن هذه الأرقام تعكس حالة عامة: القاعدة بدأت تتصدع.
بصراحة، لست متأكدًا مما إذا كان الأمير علي اختار هذا التوقيت ليستغل ضعف إنفانتينو، أم أن ضعف إنفانتينو هو الذي أتاح للأمير أن يتكلم بعد أن كانت شكاواه تُتجاهل لأشهر. ولكن الأكيد أن التوقيت لم يكن صدفة، والأكيد أن القصة ستترك أثرها، حتى وإن تساوت الأمور ماديًا في النهاية.
ويبقى سؤال أخير يطرح نفسه: هل سيكون لهذا الموقف الأردني صدى حقيقي؟ وهل سيدفع إلى تغيير فعلي في طريقة توزيع الموارد داخل 'فيفا'؟ أم ستظل القصة مجرد حلقة في مسلسل طويل من الفضائح، ننساها بعد أسبوعين؟
أنا شخصيًا أعتقد أن الأردن رسم اليوم خطًا أحمر. خطًا يقول: ليس كل شيء في 'فيفا' قابلًا للشراء. وليس كل اتحاد يمكن الضغط عليه. فهناك أناس، حتى وإن كانوا صغارًا، لديهم كرامة لا تباع بأي ثمن.
كرة القدم لعبة، والكرامة ليست لعبة.












































