اخبار السعودية
موقع كل يوم -جريدة الرياض
نشر بتاريخ: ١٨ حزيران ٢٠٢٦
أ.د. حمزة بن سليمان الطيار
من أخطر المخالفات التحايل على النظام ومحاولة التملّص من تدقيقاته؛ لجحد الحقوق وإهدار مصالح الآخرين، وفي ذلك مخاطرات كثيرة، منها إشغال القضاء وهدر مقدرات الدولة في أمرٍ تحله جملة واحدة، وهي الإقرار بالحق، فالتحايل على النظام ينافي ما يجب على المواطن من احترام الدولة وإجلال قضائها وأنظمتها..
تقتضي حكمة الله تعالى أن يتعامل الناس في هذه الحياة، وأن يستفيد الإنسان من معارف الآخرين، ومن خدماتهم، ومهاراتهم مقابل استفادتهم من ماله، ولا أحد من الناس يخلو من الحاجة إلى معاملة غيره، ولو افترضنا انغلاق هذا الباب لضاقت الأحوال، ولحق الناس عنت شديد؛ ولهذا اقتضت الحكمة الإلهية أن تتفاوت أرزاق الناس مما يضمن استمرار التعامل بينهم، ولو كانوا على مستوىً واحد في الأملاك لم يستعن بعضهم ببعض، ولم يتبادلا ما في أيديهما من الأملاك، ولو حصل هذا لانقلب المال نقمةً، ومصداق ذلك قوله تعالى: «أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ»،
وبهذه المعادلة يتم تبادل النفع، وتعمر البلاد، وتتحقق المصالح، وقد قررت الشريعة الغراء قواعد المعاملات بين الناس، وضبطتها بضوابط تضمن الحقوق، ولم تفوض ذلك إلى أهواء المتعاملين ورغباتهم؛ وترفع الخصومات؛ لأن النفوس البشرية مجبولة على المشاحة في الحقوق، قال تعالى: «وأحضرت الأنفس الشح»، فكثير من الناس لا يلزم نفسه إنصاف من يتعامل معه، بل يكفيه أن تتحقق مآربه، ولو كانت الأمور بيده لبخس الناس حقوقهم، وجحد منها ما أمكنه، وهذا تعسف كبير، وظلم يأباه الشرع والنظام والقيم النبيلة، ولي مع جحد الحقوق وقفات:
الوقفة الأولى: الحقوق لها مكانتها العظيمة في الإسلام وفي النظام؛ ولذا جاءت النصوص الشرعية والنظامية بحفظ الحقوق، ووجوب أدائها لمستحقها، وكان حفظ الحقوق أكثر ما شرع لأجله حفظ الضروريات التي لا تستقيم الحياة بدون حفظها، وهي (الدين والنفس والعقل والمال والعرض)، فنرى أن أربعةً من هذه الخمس تغلب فيها حقوق الناس، فمنها العام كحق الدولة في حمايتها ومعاقبة من حاول الإخلال بأمن المجتمع في النفوس والعقول والأموال والأعراض، ومنها الحق الخاص المتجسد في عصمة نفس كل منا وعقله وماله وعرضه، ومن فضل الله تعالى على عباده أنه عصم لهم هذه الضروريات، ثم أناط بولاة الأمر ومن يولونه الأمن والقضاء ونحوهما مسؤولية النظر في حمايتها وصلاحية البت في النزاعات المتعلقة بها، فهناك حاجز شرعي يجب أن يلتزم به الجميع ويقف عنده احتراماً للحقوق، والمتعاملان إذا التزما بهذا الوازع الشرعي نالا البركة، وإلا كانت صفقتهما منزوعة البركة كما يدل قول النبي صلى الله عليه وسلم في المتبايعين: «فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما» متفق عليه، ومن تخطى الحاجز الشرعي في التعاملات فالنظام كفيل بإيقافه عند حده، كما قال بعض السلف: «إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن»، وقد أكرمنا الله تعالى في المملكة العربية السعودية بنظامٍ يكفل للجميع حقوقه، وقد سخرت كل الإمكانات المعرفية والتقنية لتطوير كفاءة القضاء عندنا، فكان نعم الضامن لحقوقنا.
الوقفة الثانية: من أخطر المخالفات التحايل على النظام ومحاولة التملص من تدقيقاته؛ لجحد الحقوق وإهدار مصالح الآخرين، وفي ذلك مخاطرات كثيرة، منها إشغال القضاء وهدر مقدرات الدولة في أمرٍ تحله جملة واحدة، وهي الإقرار بالحق، فالتحايل على النظام ينافي ما يجب على المواطن من احترام الدولة وإجلال قضائها وأنظمتها، ومنها أن جحد الحق خيانة للطرف الآخر، وغدر به، والخيانة والغدر خصلتان ذميمتان شرعاً وعقلاً وعرفاً، ثم إن جاحد الحق يدور بين احتمالين كلاهما بالغ السوء: أحدهما -وهو الأغلب الأكيد- أن يخسر قضيته، وينكشف كذبه وخداعه، فيخسر مادياً ومعنوياً ودينياً، والآخر أن ينجو بفعلته بواسطة طمسه للأدلة، فيحكم له القاضي بناءً على المعطيات المتاحة، وهذا خسران لدينه، فهو آخذ قطعةً من النار، فعن أم سلمة رضي الله تعالى عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: »إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعضٍ، وأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذ، فإنما أقطع له قطعةً من النار» متفق عليه.
الوقفة الثالثة: يترتب على أداء الحقوق ورعايتها براءة الذمة ونقاء العرض، والثواب من الله تعالى، وطيب الذكر بين الناس، وهذه عاجل بشرى، فكم سمعنا الناس ينوهون بالأوفياء وينصحون من استشارهم بالتعامل معهم، ويمدحون الصادق، والاعتراف بصدق الصادقين الأوفياء يعد من الإنصاف، وهو من خصال النبي صلى الله عليه وسلم، فعن المسور بن مخرمة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر صهرًا له من بني عبد شمسٍ، فأثنى عليه في مصاهرته إياه، قال: «حدثني، فصدقني ووعدني فوفّى..»، متفق عليه، وبالمقابل لا يجني الجاحد المسيء في معاملته إلا سوء الذكر في الدنيا، والخزي يوم القيامة، فعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، يرفع لكل غادرٍ لواء، فقيل: هذه غدرة فلان بن فلانٍ» متفق عليه.










































